ابن خلكان
مقدمة 27
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وكان أحمد في تعطشه إلى العلم - في هذه الفترة الاربلية - لا يستطيع أن يعتمد كثيرا على ما تهيئه اربل وبيئتها المحلية من فرص ، ولذلك كان أكبر همه أن يلقى الوافدين إليها ويأخذ عنهم ، وقد أتيح له أن يلقى الشيخ جمال الدين ابن السنينيرة الشاعر ، فإنه نزل عندهم بالمدرسة المظفرية ، وكان مجلسه مجمعا لمحبي الأدب ، حيث تجري بينهم محاضرات ومذاكرات لطيفة « 1 » ، كان من أثرها أن قوّت الميل إلى الاتجاه الأدبي لدى الفتى أحمد ؛ وكان من الوافدين على اربل عام 625 ( واستمرّ في العام الذي يليه ) الشيخ أثير الدين المفضل بن عمر الأبهري صاحب التعليقة في الخلاف والزيج ، قادما إليها من الموصل ، فنزل بدار الحديث ، فانتهز أحمد هذه الفرصة ، وأخذ يدرس عليه الخلاف . وذات يوم كان في حضرة أستاذه إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد ، وأخذا يتحدثان في شؤون مختلفة ، ووصل الحديث بهما إلى كمال الدين ابن يونس فقال الأثير لمحدثه : لما حج الشيخ كمال الدين ودخل بغداد كنت هناك ؟ فقال نعم ، فقال : كيف كان اقبال الديوان العزيز عليه ؟ فقال ذلك الفقيه : ما أنصفوه على قدر استحقاقه ؛ فأبدى الأثير تعجبه من ذلك وقال : واللّه ما دخل إلى بغداد مثل الشيخ ، ودهش الفتى ابن خلكان لهذا القول وظن أستاذه يغالي في الثناء على كمال الدين فقال له : يا سيدنا كيف تقول هذا ؟ فأجابه أستاذه مطمئنا بقوله : يا ولدي ، ما دخل إلى بغداد مثل أبي حامد الغزالي وو اللّه ما بينه وبين الشيخ ( كمال الدين ) نسبة « 2 » . وكان من أبرز الوافدين إلى اربل أبو الخطاب ابن دحية ، ولما رأى هذا المحدث الأندلسي اهتمام مظفر الدين كوكبوري بالاحتفالات التي تقام كل عام بمناسبة المولد النبوي ، ألف له كتابا سمّاه « التنوير في مولد السراج المنير » ؛ وقد سرّ مظفر الدين بالكتاب ، وأخذ يقرؤه على الناس ، ليرووه عنه . وقد قرأه ابن خلكان على مظفر الدين في شهر شعبان سنة 626 « 3 » .
--> ( 1 ) الوفيات 1 : 215 . ( 2 ) الوفيات 5 : 313 . ( 3 ) الوفيات 1 : 211 - 212 .