ابن خلكان
97
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب وحبس الفرزدق ، وأنفذ « 1 » له زين العابدين اثني عشر ألف درهم ، فردها وقال : مدحته للّه تعالى لا للعطاء ، فقال : إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده « 2 » ، فقبلها . وقال محمد بن حبيب المقدم ذكره : صعد الوليد بن عبد الملك المنبر ، فسمع صوت ناقوس فقال : ما هذا ؟ قيل البيعة ، فأمر بهدمها ، وتولى بعض ذلك بيده ، فتتابع الناس يهدمون « 3 » ، فكتب إليه الأخرم « 4 » ملك الروم : إن هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك ، فإن يكونوا أصابوا فقد أخطأت وإن تكن أصبت فقد أخطأوا ، فقال : من يجيبه ؟ فقال الفرزدق : تكتب إليه : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ، وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ، فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ، وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً - الآية ( الأنبياء : 78 ) . وأخبار الفرزدق كثيرة والاختصار أولى . وتوفي بالبصرة سنة عشر ومائة قبل جرير بأربعين يوما ، وقيل بثمانين يوما ، وقال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب « شذور العقود » : إنّهما توفيا سنة إحدى عشرة ومائة . وقال السكري : إن الفرزدق لقي عليّ بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه ، وتوفي سنة عشر ، وقيل اثنتي عشرة ، وقيل أربع عشرة ومائة . وقال ابن قتيبة في « طبقات الشعراء » « 5 » : إن الفرزدق أصابته الدبيلة ، فقدم به البصرة ، وأتى الطبيب فسقاه قارا أبيض ، فجعل يقول : أتعجلون لي القار وأنا في الدنيا ، ومات وقد قارب المائة ، واللّه أعلم . وقد سبق في ترجمة جرير ما قاله جرير لما بلغه وفاة الفرزدق ، فأغنى عن الإعادة ، رحمهما اللّه تعالى . وذكر المبرد في كتاب « الكامل » « 6 » قال : التقى الحسن البصري والفرزدق
--> ( 1 ) ص : فأنفذ . ( 2 ) بر : لا نسترده . ( 3 ) ر : يهدمونها . ( 4 ) الأخرم : هو جستنيان الثاني ، الذي ملك حتى سنة 711 ، وكان معاصرا للوليد . ( 5 ) الشعر والشعراء : 385 . ( 6 ) الكامل 1 : 119 .