ابن خلكان
24
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وقال : نعيت إليّ نفسي ، فقلت : أعيذك باللّه من هذا ، فقال : إن عمري ليس يطول وقد نشأ لطيّء مثلك ، أما علمت أن خالد بن صفوان المنقري رأى شبيب بن شيبة ، وهو من رهطه ، وهو يتكلم فقال : يا بني ، نعى نفسي إليّ إحسانك في كلامك ، لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله ، قال : فمات أبو تمام بعد سنة من هذا . وقال البحتري « 1 » : أنشدت أبا تمام شعرا لي في بعض بني حميد وصلت به إلى مال له خطر « 2 » ، فقال لي : أحسنت ، أنت أمير الشعر بعدي ، فكان قوله هذا أحب إلي من جميع ما حويته . وقال ميمون بن هارون : رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرخ ، وحاله متماسكة ، فسألته ، فقال : كنت من جلساء المستعين فقصده الشعراء ، فقال : لست أقبل إلا ممن قال مثل قول « 3 » البحتري في المتوكل : ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما * في وسعه لمشى إليك المنبر فرجعت إلى داري وأتيته وقلت : قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري فقال : هاته ، فأنشدته : ولو أن برد المصطفى إذ لبسته * يظن لظن البرد أنك صاحبه وقال - وقد أعطيته ولبسته - : * نعم ، هذه أعطافه ومناكبه فقال : ارجع إلى منزلك ، وافعل ما آمرك به ، فرجعت ، فبعث إلي سبعة آلاف دينار ، وقال : ادخر هذه للحوادث من بعدي ، ولك عليّ الجراية والكفاية ما دمت حيّا . وللمتنبي في هذا المعنى : لو تعقل الشجر التي قابلتها * مدت محيّية إليك الأغصنا
--> ( 1 ) المصدر نفسه . ( 2 ) ق : مال جزيل . ( 3 ) قول : سقطت من ق ن .