ابن خلكان

112

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

مجلس الهيثم بن عدي في حداثته ، والهيثم لا يعرفه ، فلم يستدنه ولا قرب مجلسه ، فقام مغضبا ، فسأل الهيثم عنه ، فخبر باسمه ، فقال : إنا للّه ! هذه واللّه بلية لم أجنها على نفسي ، قوموا بنا إليه لنعتذر ، فصاروا إليه ، ودق الباب عليه وتسمى له ، فقال : ادخل ، فدخل فإذا هو قاعد يصفي نبيذا له ، وقد أصلح بيته بما يصلح به مثله ، فقال : المعذرة إلى اللّه تعالى وإليك ، واللّه ما عرفتك وما الذنب إلا لك حيث لم تعرّفنا نفسك فنقضي حقك ونبلغ الواجب من برك ، فأظهر له قبول العذر ، فقال الهيثم : أستعهدك من قول يسبق منك فيّ ، فقال : ما قد مضى فلا حيلة فيه ، ولك الأمان فيما استأنف ، فقال : وما الذي مضى جعلت فداك ؟ قال : بيت مرّ وأنا فيما ترى [ يعني من الغضب ] « 1 » قال : فتنشدنيه ، فدافعه ، فألحّ عليه فأنشده : يا هيثم بن عدي لست للعرب * ولست من طيىء إلا على شغب إذا نسبت عديا في بني ثعل * فقدم الدال قبل العين في النسب فقام من عنده ؛ ثم بلغه بعد ذلك بقية الأبيات وهي : للهيثم بن عدي في تلونه * في كل يوم له رجل على خشب فما يزال أخا حل ومرتحل * إلى الموالي وأحيانا إلى العرب له لسان يزجّيه بجوهره * كأنّه لم يزل يغدى « 2 » على قتب كأنني بك فوق الجسر منتصبا * على جواد قريب منك في الحسب حتى نراك وقد درعته قمصا * من الصديد مكان الليف والكرب للّه أنت فما قربى تهمّ بها * إلا اجتلبت لها الأنساب من كثب فعاد الهيثم إلى أبي نواس ، وقال له : يا سبحان اللّه ! أليس قد أمنتني وجعلت لي عهدا أن لا تهجوني ! فقال : إنهم يقولون ما لا يفعلون .

--> ( 1 ) لم يرد في النسخ الخطية . ( 2 ) ع ن : يغدي ؛ ص ر : يعدي .