ابن خلكان
30
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
ويلك ! بأي وجه تلقاني ؟ فقال : بالوجه الذي ألقى به اللّه عز وجل وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك ، فضحك ووصله « 1 » . ومن كلامه : ما سرور الموعود بالفائدة كسروري بالإنجاز . وقيل له : ما أحسن كرمك لولا تيه فيك ، فقال : تعلمت الكرم والتيه من عمارة بن حمزة « 2 » . فقيل له : وكيف ذلك ؟ فقال : كان أبي عاملا على بعض كور بلاد فارس ، فانكسرت عليه جملة مستكثرة ، فحمل إلى بغداد ، وطولب بالمال ، فدفع جميع ما يملكه ، وبقيت عليه ثلاثة آلاف ألف درهم لا يعرف لها وجها ، والطلب عليه حثيث ، فبقي حائرا في أمره ، وكانت بينه وبين عمارة بن حمزة منافرة ومواحشة ، لكنه علم أنه ما يقدر على مساعدته إلا هو ، فقال لي يوما وأنا صبي : امض إلى عمارة وسلم عليه عني وعرّفه الضرورة التي قد صرنا إليها واطلب منه هذا المبلغ على سبيل القرض إلى أن يسهّل اللّه تعالى باليسرة ، فقلت له : أنت تعلم ما بينكما ، وكيف أمضي إلى عدوك بهذه الرسالة وأنا أعلم أنه لو قدر على إتلافك لأتلفك ؟ فقال : لا بد أن تمضي إليه لعل اللّه يسخره ويوقع في قلبه الرحمة ، قال الفضل : فلم يمكني معاودته « 3 » ، وخرجت وأنا أقدّم رجلا وأؤخر « 4 » أخرى ، حتى أتيت داره واستأذنت في الدخول عليه ، فأذن لي ، فلما دخلت وجدته في صدر إيوانه متكئا على مفارش وثيرة ، وقد غلف شعر رأسه ولحيته بالمسك ، ووجهه إلى الحائط وكان من شدة تيهه لا يقعد إلا كذلك ، قال الفضل : فوقفت « 5 » أسفل الإيوان ، وسلمت عليه فلم يرد السلام ، فسلمت عليه عن أبي وقصصت عليه
--> ( 1 ) ومن مناقبه . . . ووصله : ورد منه جزء يسير في م ، وثبت جميعه في المختار والنسخة ر وسقط من سائر النسخ . ( 2 ) انظر عن عمارة بن حمزة ، معجم الأدباء 15 : 242 والهدايا والتحف : 143 ومواضع متفرقة من الجهشياري ؛ وقصة الفضل وتشبهه بعمارة في الفرج بعد الشدة 2 : 65 . ( 3 ) ر : مخالفته . ( 4 ) ر والمختار : مقدم . . . ومؤخر . ( 5 ) ن : فمشيت إلى .