ابن خلكان

31

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

القصة ، فسكت « 1 » ساعة ثم قال : حتى ننظر ، فخرجت من عنده نادما على نقل خطاي إليه ، موقنا بالحرمان عاتبا على أبي كونه كلّفني إذلال نفسي بما لا فائدة فيه ، وعزمت على أن لا أعود إليه غيظا منه ، فغبت عنه ساعة ثم جئته وقد سكن ما عندي ، فلما وصلت إلى الباب وجدت أبغالا محملة ، فقلت : ما هذه ؟ فقيل : إن عمارة قد سيّر المال « 2 » ، فدخلت على أبي ولم أخبره بشيء مما جرى لي معه كيلا أكدر عليه إحسانه ، فمكثنا قليلا ، وعاد أبي إلى الولاية وحصلت له أموال كثيرة ، فدفع إلي ذلك المبلغ وقال : تحمله إليه ، فجئت به ودخلت عليه ، فوجدته على الهيئة الأولى ، فسلمت عليه فلم يرد ، فسلمت عليه عن أبي وشكرت إحسانه وعرفته بوصول المال ، فقال لي بحرد : ويحك أقسطارا كنت لأبيك ؟ اخرج عني لا بارك اللّه فيك ، وهو لك ، فخرجت ورددت المال إلى أبي وعجبنا من حاله ، فقال لي : يا بني ، واللّه ما تسمح نفسي لك بذلك ، ولكن خذ ألف ألف درهم واترك لأبيك ألفي ألف درهم ، فتعلمت منه الكرم والتيه . [ وحكى الجهشياري في « أخبار الوزراء » « 3 » هذه الحكاية ، لكن بين الحكايتين اختلاف قليل ، وذكر أن جملة المال ألف ألف درهم ، وكان ذلك في أيام المهدي ، وكان يحيى قد ضمن فارس فانكسر عليه المال ، وقال المهدي لمن يطالبه بالمال : إن أدى لك المال قبل المغرب من يومنا هذا وإلا فأتني برأسه ، وكان المهدي مغضبا عليه ] « 4 » . والقسطار : الصيرفي « 5 » . وعمارة المذكور من أولاد عكرمة مولى ابن عباس ، وقد تقدم ذكره ، وكان

--> ( 1 ) ر : وسكت فسكت . ( 2 ) المختار : قد سير إلى يحيى المال . ( 3 ) الجهشياري : 197 . ( 4 ) ما بين معقفين ورد في ر وحدها . ( 5 ) القسطار : تعريب للفظة اللاتينية quaestor وهو موظف كانت إليه جباية الخراج أو أمانة المال .