ابن خلكان

251

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وكان العلماء يقصدونه من البلاد ، وتشد إليه الرحال من الأقطار ؛ وحكى شرف الدين بن عنين - الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - أنه حضر درسه يوما وهو يلقي الدروس في مدرسته بخوارزم ودرسه حافل بالأفاضل واليوم شات وقد سقط ثلج كثير وخوارزم بردها شديد إلى غاية ما يكون « 1 » ، فسقطت بالقرب منه حمامة وقد طردها بعض الجوارح ، فلما وقعت رجع عنها الجارح خوفا من الناس الحاضرين ، فلم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة البرد ، فلما قام فخر الدين من الدرس وقف عليها ورقّ لها وأخذها بيده ، فأنشد ابن عنين في الحال : يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا * في كل مسغبة وثلج خاشف العاصمين إذا النفوس تطايرت * بين الصوارم والوشيج الراعف من نبّأ الورقاء أن محلّكم * حرم وأنك ملجأ للخائف وفدت عليك وقد تدانى حتفها * فحبوتها ببقائها المستأنف ولو أنها تحبى بمال لانثنت * من راحتيك بنائل متضاعف جاءت سليمان الزمان بشكوها * والموت يلمع من جناحي خاطف قرم لواه القوت حتى ظله * بإزائه يجري بقلب واجف ولابن عنين المذكور فيه قصيدة من جملتها : ماتت به بدع تمادى عمرها * دهرا وكاد ظلامها لا ينجلي فعلا به الإسلام أرفع هضبة * ورسا سواه في الحضيض الأسفل غلط امرؤ بأبي عليّ قاسه * هيهات قصّر عن مداه أبو علي لو أن رسطاليس يسمع لفظة * من لفظه لعرته هزة أفكل ولحار بطليموس لو لاقاه من * برهانه في كلّ شكل مشكل ولو أنّهم جمعوا لديه تيقنوا * أن الفضيلة لم تكن للأول

--> ( 1 ) ن : إلى الغاية .