ابن خلكان
89
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
أتاني أبو دهمان الغلابي « 1 » فقعد على بابي أياما فلما وصل إليّ جلس قدامي بين السماطين ، وقال : واللّه إني لأعرف أقواما لو علموا أن سفّ التراب يقيم أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي ، أما واللّه إني لبعيد الوثبة ، بطيء العطفة ، إنه واللّه « 2 » ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفك عني ، ولأن أكون مقلا مقربا أحب إلي من أن أكون مكثرا مبعدا ، واللّه ما نسأل عملا لا نضبطه ، ولا مالا إلا ونحن أكثر منه ، إن هذا الأمر الذي صار في يديك قد كان في يد غيرك فأمسوا واللّه حديثا إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، فتحبب إلى عباد اللّه بحسن البشر ولين « 3 » الحجاب ، فإن حب عباد اللّه موصول بحب اللّه « 4 » ، وهم شهداء اللّه على خلقه ، ورقباؤه على من اعوجّ عن سبيله ، والسلام . ولما مات ولده عمرو بن سعيد المذكور رثاه أبو عمرو أشجع بن عمرو السّلمي الرقي نزيل البصرة الشاعر المشهور بقوله : مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق * ولا مغرب إلا له فيه مادح وما كنت أدري ما فواضل كفه * على الناس حتى غيّبته الصفائح وأصبح في لحد من الأرض ضيق * وكانت به حيا تضيق الصّحاصح سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض * فحسبك مني ما تجنّ الجوانح فما أنا من رزء وإن جلّ جازع * ولا بسرور بعد موتك فارح كأن لم يمت حيّ سواك ولم يقم * على أحد إلا عليك النوائح لئن حسنت فيك المراثي وذكرها * لقد حسنت من قبل فيك المدائح وهذه المرثية من محاسن المراثي ، وهي في كتاب « الحماسة » « 5 » والبيت الأخير
--> ( 1 ) س ن بر : العلاني ؛ وأخبار أبي دهمان في الأغاني 22 : 269 . ( 2 ) ل : أما واللّه . ( 3 ) ن : ويمن ؛ البيان : ولين الجانب . ( 4 ) زاد في ر : وبغضهم موصول ببغضه ، وكذلك ثبت في البيان . ( 5 ) الحماسية رقم : 280 ( شرح المرزوقي : 856 ) .