ابن خلكان

91

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

الأمر ديدن جهاده ، وذهب عنه أن اللّه تعالى ينتقم لنفسه من عتوّ هذا اللعين وعناده . فلما كانت الوقعة المشهورة في شعبان من سنة ست عشرة التي أسر فيها أعلاج الكفر وكنودهم ، وأفاء اللّه على أهل دينه عدوهم وعديدهم ، واستولى منهم على ما يناهز ألفي فارس . عرف هذا العلج في جملة من اشتمل عليه الاستيلاء منهم حصرا وعدّا ، وعوجل بعقوبة كفره الذي تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا ؛ فلما صفد في وثاقه ، وخرست شقاشق شقاقه ، أشعر السلطان الملك الكامل بموضعه ، فتنوعت المشورات بصورة قتل هذا الكافر ، واللحاق بروحه إلى الجحيم التي هي مأوى الفاجر ، فصمم الملك الكامل على إرسال هذا العلج مع من يوصله إلى والي المدينة النبوية ، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، وإشعاره بأمره ، وأن يباشر بذلك المحل الشريف تطهير الأرض من كفره . فلما وصل أقيم بين يدي الضريح المطهر ، ونوجي ذلك المحل الأطهر ، وذلك في عيد الفطر من السنة المذكورة ، وقيل : يا رسول اللّه : هذا عدو اللّه وعدوك ، والمصرح في ملة كفره بسبك وسب صاحبك ، قد أرسله محمد سلطان مصر ليقتل بين يديك ، ويشكر اللّه لما وفقه من مجاهدة الشرك الذين كفروا بما أنزل إليك ، ورام أن يجعله عبرة لمن انتهك حرمتك واجترأ عليك ، فتهادته أيدي المنايا ضربا بالسيوف ، وفرح المؤمنون بنصر اللّه لدينه على طوائف الشرك وان رغمت منها الأنوف ، والحمد للّه رب العالمين . لا جرم أنه بعد وفاته أثيب على هذا المقصد السديد ، والتوفيق الذي ما على النعمة به من مزيد : ان الانبرور ملك صقلية وغيرها من بلاد الفرنج - وهو اليوم أكبر ملوكهم خطرا وكانت بينه وبين الملك الكامل صداقة ومهاداة يألفه بها إلى أن تأكدت له محبته وصار ذبّه عن بلاده من طوائف الكفر ديدنه وعادته - كان عنده من الأسرى المأخوذين من مدينة ميرقة من الغرب عند استيلائه عليها جماعة ، فأحضرهم الانبرور بين يديه ، وقال لهم : يا حجاج ، قد أعتقتكم عن الملك الكامل ؛ وسيرهم مع قصاد تقودهم إلى عكا وأمرهم بحل قيودهم عند قبره ، وإطلاق سبيلهم .