ابن خلكان
90
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وكان [ الفرنج ] قد ساروا عن دمياط في الفارس والراجل ، وقصدوا الملك الكامل فنزلوا مقابله ، وبينهما بحر أشموم وهم يرمون بمناجيقهم وجروخهم إلى عساكر المسلمين ، وتيقنوا وكل الناس أنهم يملكون الديار المصرية ، فوصل الأشرف وتلقاه أخواه الكامل والمعظم ، واستبشروا به وكافة المسلمين وتوقعوا النصرة على الأعداء الكافرين ، ووقع الاتفاق أن يبعثوا في بحر المحلة أسطولا يدخل إلى بحر دمياط ليمنع الميرة عن الفرنج ، وأمر السلطان بنصب الجسور وعبر عليها المسلمون إلى جزيرة شرمساح التي الفرنج مخيمون عليها ، وكسروا النيل عليها ؛ وكان النيل في زيادته ، فركب الماء أكثر تلك الأرض ، ولم يبق للفرنج جهة يسلكونها ، غير جهة واحدة ضيقة ان أرادوا العود إلى دمياط ، وعبرت العساكر وملكوا الطريق ، ولم يبق لهم خلاص ، وأيقنوا بالهلكة ، فراسلوا السلطان الملك الكامل يبذلون له النزول عن دمياط على أن يؤمنهم ، فأجابهم إلى ذلك ، وشرط عليهم إطلاق من في أيديهم من أسرى المسلمين ، وأخذ منهم رهائن ملوكهم على تسليم البلد ، وتقرر بينهم صلح مدة ثمان سنين ، وتسلم السلطان دمياط يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب ، فكانت مدة ملك الفرنج لها سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما ؛ وكان يوما مشهودا ؛ ومن العجيب أن المسلمين لما تسلموها وصلت للفرنج نجدة في البحر فلو سبقوا المسلمين إليها لامتنعوا من تسليم دمياط ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا . فلما دخلها المسلمون لم يجدوا فيها من أهلها إلا آحادا ، فبعضهم سار عنها باختياره ، وبعضهم مات . وكان الفرنج قد حصنوها تحصينا عظيما بحيث بقيت لا ترام ولا يوصل إليها ؛ وأعاد اللّه سبحانه وتعالى الحق إلى نصابه وردّه إلى أربابه ، فاللّه المحمود المشكور على ما أنعم به على الإسلام والمسلمين من كف عادية هذا العدو ، وكفاهم شره . منقبة للملك الكامل جرت في هذه النوبة : لما وقع الحصار على مدينة دمياط اتفق أن علجا منهم ، لعنه اللّه ، قد ألهج لسانه بسب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، معلنا به على خنادقهم ، ومنكيا لمن يليهم من حرس الإسلام ورجالهم ، وكان أمره قد استفحل ، وداء اشتهاره بهذه العظيمة قد أعضل ، وقد جعل هذا