ابن خلكان
73
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
العالم أن بني آدم طائفتان : طائفة غفلاء نظروا إلى مشاهد حال الدنيا ، وتمسكوا بتأميل العمر الطويل ، ولم يتفكروا في النفس الأخير ، وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخير نصب أعينهم ، لينظروا إلى ماءا يكون مصيرهم ، وكيف يخرجون من الدنيا ويفارقونها وإيمانهم سالم ، وما الذي ينزل من الدنيا في قبورهم ، وما الذي يتركون لأعاديهم من بعدهم ويبقى عليهم وباله ونكاله . ثم إن السلطان محمدا استقل بالممالك بعد موت أخيه بركياروق - في التاريخ المذكور في ترجمته - ولم يبق له منازع وصفت له الدنيا ، وأقام على ذلك مدة ، ثم مرض زمانا طويلا ، وتوفي يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة بمدينة أصبهان ، وعمره سبع وثلاثون سنة وأربعة أشهر وستة أيام ، وهو مدفون بأصبهان في مدرسة عظيمة ، وهي موقوفة على الطائفة الحنفية ، وليس بأصبهان مدرسة مثلها . ولما أيس من نفسه « 1 » أحضر ولده محمدا - الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - فقبله وبكى كل واحد منهما ، وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة وينظر في أمور الناس ، فقال لوالده : إنه يوم غير مبارك ، يعني من طريق النجوم ، فقال : صدقت ، ولكن على أبيك ، وأما عليك فمبارك بالسلطنة . فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين ، ولم يخلف أحد من الملوك السلجوقية ما خلفه من الذخائر وأصناف الأموال والدواب وغير ذلك مما يطول شرحه ، رحمه اللّه تعالى ؛ وسيأتي ذكر والده في هذا الحرف ، إن شاء اللّه تعالى . 217 وتزوج الإمام المقتفي لأمر اللّه فاطمة ابنة السلطان محمد المذكور ، وكان الوكيل في قبول النكاح الوزير شرف الدين أبا القاسم علي ابن طراد الزينبي ، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ، وحضر أخوها مسعود العقد ، ونقلت « 2 » فاطمة ابنة السلطان المذكورة إلى دار الخلافة للزفاف سنة أربع وثلاثين ، ويقال إنها كانت تقرأ وتكتب ، ولها التدبير الصائب ، وسكنت في الموضع المعروف بدركاه خاتون ، وتوفيت في عصمته يوم السبت الثاني والعشرين من شهر ربيع
--> ( 1 ) ق : حياته . ( 2 ) ق : ودخلت .