ابن خلكان
72
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
أمير المؤمنين أن يجلس له ولأخيه سنجر ، فأجيب إلى ذلك ، وجلس لهما في قبة التاج وحضر أرباب المناصب وأتباعهم وجلس أمير المؤمنين على سدّته ، ووقف سيف الدولة صدقة بن مزيد صاحب الحلة عن يمين السدة ، وعلى كتفه بردة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى رأسه العمامة وبين يديه القضيب ، وأفيض على محمد الخلع السبع التي جرت عادة السلاطين بها ، وألبس الطوق والتاج والسوارين ، وعقد له الخليفة اللواء بيده وقلده سيفين ، وأعطاه خمسة أفراس بمراكبها ، وخلع على أخيه سنجر خلعة أمثاله ، وخطب لمحمد بالسلطنة في جامع بغداد كجاري عادتهم في ذلك الزمان وتركوا الخطبة لبركياروق لسبب اقتضى ذلك ، ولا حاجة إلى شرحه لطوله ، قال محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه : وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وأربعمائة ، وقال صاحب تاريخ السلجوقية : أقيمت الخطبة ببغداد للسلطان محمد في سابع عشر ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ، ووافقه على ذلك غيره ؛ ثم قال الهمداني : وكان من الاتفاق العجيب أن خطيب جامع القصر ببغداد لما بلغ إلى الدعاء للسلطان بركياروق ، وأراد أن يذكره ، سبق لسانه للسلطان محمد ودعا له ، فأتى أصحاب بركياروق وشنعوا بما جرى في الديوان العزيز ، فعزل الخطيب لهذا السبب ورتبوا ولده موضعه ، فلم تتأخر خطبة السلطان محمد عن هذه الواقعة إلا أياما قلائل ، وكان ذلك فألّا للسلطان محمد ، وأما بركياروق فإنه كان مريضا وانحدر إلى واسط ، ثم قوي أمره واستظهر ، وجرى بينه وبين أخيه محمد مصاف على الري ، وانكسر محمد ، وبالجملة فان شرح ذلك يطول . وكان السلطان محمد المذكور رجل الملوك السلجوقية وفحلهم ، وله الآثار الجميلة والسيرة الحسنة ، والمعدلة الشاملة ، والبر للفقراء والأيتام ، والحرب للطائفة الملحدة والنظر في أمور الرعية . وذكره أبو البركات ابن المستوفي في « تاريخ إربل » وذكر أنه وصل إليها في تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ، ورحل عنها متوجها إلى الموصل في ثاني عشر الشهر المذكور ، ثم قال : ووجدت في كتاب ذكره الإمام أبو حامد الغزالي في مخاطبته السلطان محمد بن ملكشاه : اعلم يا سلطان