ابن خلكان

334

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

عليه الديون للتجار وغيرهم . ولقد رأى يوما في دواة كاتبه وشاعره الكمال أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن النبيه المصري قلما واحدا ، فأنكر عليه ذلك ، فأنشده في الحال دوبيت : قال الملك الأشرف قولا رشدا * أقلامك يا كمال قلّت عددا جاوبت لعظم كتب ما تطلقه * تحفى فتقطّ فهي تفنى أبدا ويقال إنه طرب ليلة في مجلس أنسه على بعض الملاهي ، فقال لصاحب الملهى : تمن عليّ ، فقال : تمنيت مدينة خلاط ، فأعطاها له ، وكان نائبه بها الأمين حسام الدين المعروف بالحاجب علي بن حماد الموصلي ، فتوجه ذلك الشخص إليه ليتسلمها منه ، فعوضه الحاجب عنها جملة كثيرة من المال وصالحه عنها ، وكان له في ذلك غرائب . وكان يميل إلى أهل الخير والصلاح ويحسن الاعتقاد فيهم ، وبنى بدمشق دار حديث ، فوض تدريسها إلى الشيخ تقي الدين عثمان المعروف بابن الصلاح ، المقدم ذكره . وكان بالعقيبة ظاهر دمشق خان يعرف بابن الزنجاري ، قد جمع أنواع أسباب الملاذ ، ويجري فيه من الفسوق والفجور ما لا يحد ولا يوصف ، فقيل له عنه : إن مثل هذا لا يليق أن يكون في بلاد المسلمين ، فهدمه وعمره جامعا غرم عليه جملة مستكثرة ، وسماه الناس « جامع التوبة » كأنه تاب إلى اللّه تعالى وأناب مما كان فيه . وجرت في خطابته نكتة لطيفة ، أحببت ذكرها ، وهي : أنه كان بمدرسة ست الشام التي خارج البلد ، إمام يعرف بالجمال السبتي ، أعرفه شيخا حسنا ، ويقال كان في صباه يلعب بشيء من الملاهي ، وهي التي تسمى الجغانة ، ولما كبر حسنت طريقته وعاشر العلماء وأهل الصلاح ، حتى صار معدودا في الأخيار ، فلما احتاج الجامع المذكور إلى خطيب ذكر للملك الأشرف جماعة ، وشكر الجمال المذكور ، فتولى خطابته ، فلما توفي تولى موضعه العماد الواسطي الواعظ ، وكان يتهم باستعمال الشراب ، وكان صاحب دمشق يومئذ الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل بن أيوب ، فكتب إليه الجمال عبد