ابن خلكان

314

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وكان شيخنا تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح - المقدم ذكره « 1 » - يبالغ في الثناء على فضائله وتعظيم شأنه وتوحده في العلوم ؛ فذكره يوما وشرع في وصفه على عادته ، فقال له بعض الحاضرين : يا سيدنا ، على من اشتغل ؟ ومن كان شيخه ؟ فقال : هذا الرجل خلقه اللّه تعالى عالما إماما في فنونه ، لا يقال على من اشتغل ولا من شيخه ، فإنه أكبر من هذا . وحكى لي بعض الفقهاء بالموصل أن ابن الصلاح المذكور سأله أن يقرأ عليه شيئا من المنطق سرّا ، فأجابه إلى ذلك ، وتردد إليه مدة فلم يفتح عليه فيه بشيء فقال له : يا فقيه ، المصلحة عندي أن تترك الاشتغال بهذا الفن ، فقال له : ولم ذاك يا مولانا ؟ فقال : لأن الناس يعتقدون فيك الخير ، وهم ينسبون كل من اشتغل بهذا الفن إلى فساد الاعتقاد ، فكأنك تفسد عقائدهم فيك ولا يحصل لك من هذا الفن شيء ؛ فقبل إشارته وترك قراءته « 2 » . ومن يقف على هذه الترجمة فلا « 3 » ينسبني إلى المغالاة في حق الشيخ . ومن كان من أهل تلك البلاد وعرف ما كان عليه الشيخ ، عرف أني ما أعرته وصفا ونعوذ باللّه من الغلو والتساهل في النقل . ولقد ذكره أبو البركات المبارك بن المستوفي - المقدم ذكره « 4 » - في « تاريخ إربل » فقال : هو عالم مقدم ، ضرب في كل علم ، وهو في علم الأوائل : كالهندسة والمنطق وغيرهما ممن يشار إليه ، حل أقليدس « 5 » والمجسطي على الشيخ شرف الدين المظفر بن محمد بن المظفر الطوسي الفارابي ، يعني صاحب الأصطرلاب الخطي المعروف بالعصا . ثم قال ابن المستوفي : وردت عليه مسائل من بغداد في مشكلات هذا العلم ، فحلها واستصغرها ، ونبه على براهينها ، بعد أن احتقرها ، وهو في الفقه والعلوم

--> ( 1 ) انظر ج 3 : 243 . ( 2 ) وكان شيخنا . . . قراءته : سقط من بعض النسخ ومن المطبوعة المصرية . ( 3 ) ر لي : قد . ( 4 ) ج 4 : 147 . ( 5 ) لي : أوقليدس .