ابن خلكان
315
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
الإسلامية نسيج وحده ، ودرس في عدة مدارس بالموصل ، وتخرج عليه خلق كثير في كل فن . ثم قال : أنشدنا لنفسه ، وأنفذها إلى صاحب الموصل يشفع عنده : لئن شرفت أرض بمالك رقها * فمملكة الدنيا بكم تتشرف « 1 » بقيت بقاء الدهر أمرك نافذ * وسعيك مشكور وحكمك منصف ومكنت في حفظ البسيطة مثل ما * تمكن في أمصار فرعون يوسف قلت أنا : ولقد أنشدني هذه الأبيات عنه أحد أصحابنا بمدينة حلب ، وكنت بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، وبها رجل فاضل في علوم الرياضة ، فأشكل عليه مواضع في مسائل الحساب والجبر والمقابلة والمساحة وأقليدس ، فكتب جميعها في درج وسيرها إلى الموصل ، ثم بعد أشهر عاد جوابه ، وقد كشف عن خفيها وأوضح غامضها وذكر ما يعجز الإنسان عن وصفه ، ثم كتب في آخر الجواب : فليمهد العذر في التقصير في الأجوبة ، فإن القريحة جامدة ، والفطنة خامدة ، قد استولى عليها كثرة النسيان ، وشغلتها حوادث الزمان ، وكثير مما استخرجناه وعرفناه نسيناه ، بحيث صرنا كأنا ما عرفناه ؛ وقال لي صاحب المسائل المذكورة : ما سمعت مثل هذا الكلام إلا للأوائل المتقنين « 2 » لهذه العلوم ، ما هذا من كلام أبناء هذا الزمان . وحكى لي الشيخ الفقيه الرياضي علم الدين قيصر بن أبي القاسم عبد الغني بن مسافر الحنفي المصري المعروف بتعاسيف ، وكان إماما في علوم الرياضة ، قال « 3 » : لما أتقنت علوم الرياضة بالديار المصرية ودمشق ، تاقت نفسي إلى الاجتماع بالشيخ كمال الدين لما كنت أسمعه من تفرده بهذه العلوم ، فسافرت إلى الموصل قصد الاجتماع به ، فلما حضرت في خدمته وجدته على حلية الحكماء المتقدمين ، وكنت
--> ( 1 ) علق على هامش ن بخط مختلف : « ولقد كتبت هذه الأبيات في مكتوب إلى أمير الأمراء بالقاهرة حضرة سنان باشا وأصاب فخرها ( ؟ ) وذلك في سنة ست وسبعين وتسعمائة » . ( 2 ) ق : المتقدمين المتقنين . ( 3 ) بعض هذا النص ورد في الطالع السعيد نقلا عن المؤلف .