ابن خلكان

313

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله . وكان في كل فن من هذه الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه . وبالجملة فإن مجموع ما كان يعلمه من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه قد جمعه . ولقد جاءنا الشيخ أثير الدين المفضل بن عمر بن المفضل الأبهري ، صاحب التعليقة في الخلاف والزيج والتصانيف المشهورة ، من الموصل إلى إربل في سنة ست وعشرين وستمائة وقبلها في خمس وعشرين وستمائة ، ونزل بدار الحديث ، وكنت أشتغل عليه بشيء من الخلاف ، فبينما أنا يوما عنده إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد ، وكان فاضلا ، فتجاريا في الحديث زمانا ، وجرى ذكر الشيخ كمال الدين في أثناء الحديث ، فقال له الأثير : لما حج الشيخ كمال الدين ودخل بغداد كنت هناك ؟ فقال : نعم ، فقال : كيف كان إقبال الديوان العزيز عليه ؟ فقال ذلك الفقيه : ما أنصفوه على قدر استحقاقه ، فقال الأثير : ما هذا إلا عجب ، واللّه ما دخل إلى بغداد مثل الشيخ ، فاستعظمت منه هذا الكلام ، وقلت له : يا سيدنا كيف تقول كذا « 1 » ؟ فقال : يا ولدي ما دخل إلى بغداد مثل أبي حامد الغزالي ، وو اللّه ما بينه وبين الشيخ نسبة . وكان الأثير - على جلالة قدره في العلوم - يأخذ الكتاب ويجلس بين يديه يقرأ عليه ، والناس يوم ذاك يشتغلون في تصانيف الأثير . ولقد شاهدت هذا بعيني ، وهو يقرأ عليه كتاب « المجسطي » « 2 » . ولقد حكى لي بعض الفقهاء أنه سأل الشيخ كمال الدين عن الأثير ومنزلته في العلوم فقال : ما أعلم ، فقال : وكيف هذا يا مولانا . وهو في خدمتك منذ سنين عديدة ، ويشتغل عليك ؟ فقال : لأني مهما « 3 » قلت له تلقاه بالقبول وقال : نعم يا مولانا ، فما جاذبني في مبحث قط حتى أعلم حقيقة فضله ، ولا شك أنه كان يعتمد هذا القدر مع الشيخ تأدبا ، وكان معيدا عنده في المدرسة البدرية ، وكان يقول : ما تركت بلادي وقصدت الموصل إلا للاشتغال على الشيخ .

--> ( 1 ) بر من : هذا . ( 2 ) ر : المجريطي . ( 3 ) بر من : كلما .