ابن خلكان
275
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فانتفع به خلق كثير وجودوا عليه القرآن ، وعظم اسمه في البلدة وجلّ فيها قدره ، ونزل عند دخوله قرطبة في مسجد النخيلة « 1 » الذي بالزقاقين « 2 » عند باب العطارين ، فأقرأ به ، ثم نقله المظفر عبد الملك بن أبي عامر إلى جامع الزاهرة ، وأقرأ فيه حتى انصرمت دولة آل عامر ، فنقله محمد بن هشام المهدي إلى المسجد الخارج بقرطبة ، وأقرأ فيه مدة الفتنة كلها إلى أن قلده أبو الحسن ابن جهور « 3 » الصلاة والخطبة بالمسجد الجامع بعد وفاة يونس بن عبد اللّه ، وكان ضعيفا عليها على أدبه وفهمه ، وأقام في الخطابة إلى أن مات ، رحمه اللّه تعالى . وكان خيرا فاضلا متواضعا متدينا مشهورا بإجابة الدعاء ، وله في ذلك أخبار ، فمن ذلك ما حكاه أبو عبد اللّه الطرفي المقرئ « 4 » قال : كان عندنا بقرطبة رجل فيه بعض الحدة ، وكان له على الشيخ أبي محمد المذكور تسلط ، وكان يدنو منه إذا خطب فيغمزه ويحصي عليه سقطاته ، وكان الشيخ كثيرا ما يتلعثم ويتوقف ، فحضر ذلك الرجل في بعض الجمع ، وجعل يحد النظر إلى الشيخ ويغمزه ، فلما خرج معنا ونزل في الموضع الذي كان يقرأ فيه قال لنا : أمنوا على دعائي ، ثم رفع يديه وقال : اللهم اكفنيه ، اللهم اكفنيه « 5 » ، فأمنا ، قال : فأقعد ذلك الرجل ، وما دخل الجامع بعد ذلك اليوم . وله تصانيف كثيرة نافعة فمنها : « الهداية إلى بلوغ النهاية » في معاني القرآن الكريم وتفسيره وأنواع علومه ، وهو سبعون جزءا ، و « منتخب الحجة » لأبي علي الفارسي ، ثلاثون جزءا ، وكتاب « التبصرة في القراءات » في خمسة أجزاء ، وهو من أشهر تواليفه « 6 » ، و « الموجز في القراءات » جزءان ، وكتاب
--> ( 1 ) الانباه : النخيلية . ( 2 ) كذا في ن ر ص ق ؛ لي : بالزفانين ؛ وستنفيلد : بالرقاقين ؛ القفطي : بالرواقين . ( 3 ) كذا في جميع النسخ ، والقفطي . وفي وستنفيلد : ابن جوهر : قلت والصواب : أبو الحزم ابن جهور كما ذكره الجزري في طبقات القراء نقلا عن الصلة . ( 4 ) هو محمد بن أحمد بن مطرف الكتاني القرطبي المقرئ ( 387 - 454 ) عرف بالطرفي لكونه كان يؤم في جامع طرفة ( غاية النهاية 2 : 89 ) . ( 5 ) اللهم اكفنيه : كررت ثلاث مرات في ر ن . ( 6 ) ق ن : وهو من أحسن تواليفه وأشهرها .