ابن خلكان
155
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
شيئا من تواليفه ومقاصده فيها . ولم يزل أبو نصر ببغداد مكبا على الاشتغال بهذا العلم والتحصيل له إلى أن برز فيه وفاق أهل زمانه ، وألف بها معظم كتبه ، ثم سافر منها إلى دمشق ، ولم يقم بها ، ثم توجه إلى مصر ، وقد ذكر أبو نصر في كتابه الموسوم ب « السياسة المدنية » أنه ابتدأ بتأليفه في بغداد وأكمله بمصر ، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها ، وسلطانها يومئذ سيف الدولة بن حمدان ، فأحسن إليه . ورأيت في بعض المجاميع أن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف فأدخل عليه وهو بزي الأتراك ، وكان ذلك زيه دائما ، فوقف ، فقال له سيف الدولة : اقعد ، فقال : حيث أنا أم حيث أنت ؟ فقال : حيث أنت ، فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه ، وكان على رأس سيف الدولة مماليك ، وله معهم لسان خاص يسارّهم به قلّ أن يعرفه أحد ، فقال لهم بذلك اللسان : إن هذا الشيخ قد أساء الأدب ، وإني مسائله عن أشياء إن لم يوف بها فاخرقوا به ، فقال له أبو نصر بذلك اللسان : أيها الأمير « 1 » ، اصبر فإن الأمور بعواقبها ، فعجب سيف الدولة منه وقال له : أتحسن هذا اللسان ؟ فقال : نعم أحسن أكثر من سبعين لسانا ، فعظم عنده . ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في المجلس في كل فن ، فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده ، ثم أخذوا يكتبون ما يقوله ، فصرفهم سيف الدولة وخلا به ، فقال له : هل لك في أن تأكل ؟ فقال : لا ، فقال : فهل تشرب ؟ فقال : لا ، فقال : فهل تسمع ؟ فقال : نعم ، فأمر سيف الدولة بإحضار القيان ، فحضر كل ماهر في هذه الصناعة بأنواع الملاهي ، فلم يحرك أحد منهم آلته إلا وعابه أبو نصر وقال له : أخطأت ، فقال له سيف الدولة : وهل تحسن في هذه الصناعة شيئا ؟ فقال : نعم ، ثم أخرج من وسطه خريطة ففتحها وأخرج منها عيدانا وركبها ، ثم لعب بها ، فضحك منها كل من كان في المجلس ، ثم فكها وركبها تركيبا آخر وضرب بها فبكى كل من في المجلس ، ثم فكها وغير
--> ( 1 ) أيها الأمير : سقط من ن ر والمختار .