ابن خلكان

156

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب ، فتركهم نياما وخرج . ويحكى أن الآلة المسماة القانون من وضعه ، وهو أول من ركبها هذا التركيب . وكان منفردا بنفسه لا يجالس الناس « 1 » ، وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون غالبا إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض ، ويؤلف هناك كتبه ، وينتابه المشتغلون عليه . وكان أكثر تصنيفه في الرقاع ، ولم يصنف في الكراريس إلا القليل ، فلذلك جاءت أكثر تصانيفه فصولا وتعاليق ، ويوجد بعضها ناقصا مبتورا . وكان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن ، وأجرى عليه سيف الدولة كل يوم من بيت المال أربعة دراهم ، وهو الذي اقتصر عليها لقناعته . ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق ، وصلى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصه ، وقد ناهز ثمانين سنة ، ودفن بظاهر دمشق خارج باب الصغير ، رحمه اللّه تعالى . وتوفي متى بن يونس ببغداد في خلافة الراضي ، هكذا حكاه ابن صاعد القرطبي في « طبقات الأطباء » « 2 » . وظفرت في مجموع بأبيات منسوبة إلى الفارابي ، ولا أعلم صحتها ، وهي : أخي خلّ حيّز ذي باطل * وكن للحقائق في حيز فما الدار دار مقام لنا * وما المرء في الأرض بالمعجز ينافس هدا لهذا على * أقلّ من الكلم الموجز وهل نحن إلا خطوط وقعن * على نقطة وقع مستوفز محيط السماوات أولى بنا * فما ذا التنافس في مركز 235 ورأيت هذه الأبيات في « الخريدة » منسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الملك الفارقي البغدادي الدار . وقال العماد مؤلف « الخريدة » : إنه اجتمع به يوم الجمعة ثامن عشر شهر رجب ، سنة إحدى وستين وخمسمائة ، وتوفي بسنيات بعد ذلك .

--> ( 1 ) ق : لا يجالس أحدا من الناس . ( 2 ) ق : الحكماء ، وانظر ص : 154 .