ابن خلكان

154

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

سفرا ، ولم يكن في ذلك الوقت أحد مثله في فنه ، وكان حسن العبارة في تواليفه لطيف الإشارة ، وكان يستعمل في تصانيفه البسط والتذليل ، حتى قال بعض علماء هذا الفن : ما أرى أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلا من أبي بشر يعني المذكور ، وكان أبو نصر يحضر حلقته في غمار تلامذته . فأقام أبو نصر كذلك برهة ثم ارتحل إلى مدينة حرّان وفيها يوحنا بن حيلان « 1 » الحكيم النصراني ، فأخذ عنه طرفا من المنطق أيضا ، ثم إنه قفل راجعا إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة ، وتناول جميع كتب أرسطاطاليس وتمهر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها ، ويقال إنه وجد « كتاب النفس » لأرسطاطاليس وعليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي : إني قرأت هذا الكتاب مائتي مرة . ونقل عنه أنه كان يقول : قرأت « السماع الطبيعي » لأرسطاطاليس الحكيم أربعين مرة ، وأرى أني محتاج إلى معاودة قراءته . ويروى عنه أنه سئل : من أعلم الناس بهذا الشأن أنت أم أرسطاطاليس ؟ فقال : لو أدركته لكنت أكبر تلامذته . وذكره أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن صاعد القرطبي في كتاب « طبقات الحكماء » فقال : الفارابي فيلسوف المسلمين بالحقيقة ، أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن حيلان المتوفى بمدينة السلام في أيام المقتدر ، فبذ جميع أهل الإسلام وأربى عليهم في التحقيق لها وشرح غامضها وكشف سرها وقرب تناولها ، وجميع ما يحتاج إليه منها ، في كتب صحيحة العبارة لطيفة الإشارة ، منبها على ما أعيا الكندي وغيره من صناعة التحليل وأنحاء التعاليم ، وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمسة ، وأفاد وجوه الانتفاع بها وعرف طرق استعمالها ، وكيف تصرّف صورة القياس في كل مادة منها ، فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية والنهاية الفاضلة ، ثم له بعد هذا كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها لم يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه فيه ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به ، انتهى كلام ابن صاعد ؛ وذكر بعد ذلك

--> ( 1 ) الوافي : حبلان ؛ بر : حلان ؛ ق ر : خيلان .