ابن خلكان
472
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
قال : فقالت لها العوادة : فيصنعون ماذا ؟ قالت : هكذا يصنعون ، وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها وبرزت كأنها فلقة قمر ، فألقت نفسها في الماء ، وعلى رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال ، وبيده مذبّة ، فأتى الموضع ونظر إليها وهي تمر بين الماء ، وأنشد : أنت التي غرّقتني * بعد القضا لو تعلمينا وألقى نفسه في أثرها ، فأدار الملّاح الحراقة ، فإذا بهما معتنقان ثم غاصا فلم يريا ، فاستعظم محمد ذلك وهاله أمره ، ثم قال : يا عمرو ، لتحدثنّي حديثا يسليني عن فعل هذين ، وإلا الحقتك بهما ، قال : فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك ، وقد قعد للمظالم يوما وعرضت عليه القصص ، فمرت به قصة فيها : « إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إليّ جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات فعل » ، فاغتاظ يزيد من ذلك ، وأمر من يخرج إليه ويأتيه برأسه ، ثم أتبع الرسول برسول آخر يأمره أن يدخل إليه الرجل ، فأدخله ، فلما وقف بين يديه قال له : ما الذي حملك على ما صنعت ؟ قال : الثقة بحلمك والاتكال على عفوك ، فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج ، ثم أمر فأخرجت الجارية ومعها عودها ، فقال لها الفتى غني : أفاطم مهلا بعض هذا التدلل * وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي فغنته ، فقال له يزيد : قل ، فقال : غني : تألق البرق نجديّا فقلت له * يا أيها البرق إني عنك مشغول فغنته ، فقال له يزيد : قل ، قال : تأمر لي برطل شراب ، فأمر له ، فما استتم شربه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد ، فرمى نفسه على دماغه فمات ، فقال يزيد : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي ، يا غلمان خذوا بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له أهل ، وإلا فبيعوها وتصدقوا بثمنها عنه . فانطلقوا بها إلى أهله ، فلما توسطت الدار نظرت إلى حفيرة في وسط دار يزيد قد أعدت للمطر