ابن خلكان

473

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

فجذبت نفسها من أيديهم ، وأنشدت : من مات عشقا فليمت هكذا * لا خير في عشق بلا موت وألقت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت « 1 » . فسرّي عن محمد وأجزل صلتي . وقال أبو القاسم السيرافي : حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل ابن العميد الوزير - الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - فجرى ذكر الجاحظ ، فغضّ منه بعض الحاضرين وأزرى به ، وسكت الوزير عنه ، فلما خرج الرجل قلت له : سكتّ أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله ، فقال : لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله ، ولو وافقته وبينت له لنظر في كتبه وصار بذلك إنسانا ، يا أبا القاسم ، فكتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا ، ولم أستصلحه لذلك . وكان الجاحظ في أواخر عمره قد أصابه الفالج ، فكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته ، والنصف الأيسر لو قرض بالمقاريض لما أحس به من خدره وشدة برده . وكان يقول في مرضه : اصطلحت على جسدي الأضداد ، إن أكلت باردا أخذ برجلي ، وإن أكلت حارا أخذ برأسي . وكان يقول : أنا من جانبي الأيسر مفلوج فلو قرض بالمقاريض ما علمت به ، ومن جانبي الأيمن منقرس فلو مر به الذباب « 2 » لألمت ، وبي حصاة لا ينسرح لي البول معها ، وأشد ما عليّ ست وتسعون سنة ، وكان ينشد : أترجو أن تكون وأنت شيخ * كما قد كنت أيام الشباب لقد كذبتك نفسك ليس ثوب * دريس كالجديد من الثياب وحكى بعض البرامكة قال : كنت تقلدت السند ، فأقمت بها ما شاء اللّه ، ثم اتصل بي أني صرفت عنها ، وكنت كسبت بها ثلاثين ألف دينار ، فخشيت أن يفجأني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه ، فصغته عشرة آلاف إهليلجة في كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل ؛ ولم يمكث الصارف أن أتى ، فركبت

--> ( 1 ) انظر كتاب ذم الهوى : 356 . ( 2 ) ر : مرت به الذبابة .