ابن خلكان

428

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

عباس أن رجلا اتصلت عطلته ، وانقطعت مادته ، فزور كتابا من أبي الحسن ابن الفرات إلى أبي زنبور المادرائي « 1 » عامل مصر في معناه يتضمن الوصاة به والتأكيد في الإقبال عليه والإحسان إليه ، وخرج إلى مصر فلقيه به ، فارتاب أبو زنبور في أمره لتغير الخطاب على ما جرت به العادة وكون الدعاء ألين « 2 » مما يقتضيه محله ، فراعاه مراعاة قريبة ووصله بصلة قليلة واحتبسه عنده على وعد وعده به ، وكتب إلى أبي الحسن ابن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه ، وأنفذه بعينه إليه واستثبته فيه ، فوقف ابن الفرات على الكتاب المزور ، فوجد فيه ذكر الرجل وأنه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه ، وما يقال في ذلك مما قد استوفي الخطاب « 3 » فيه ، وعرضه على كتّابه وعرفهم الصورة فيه ، وعجب إليهم منها ومما أقدم عليه الرجل ، وقال لهم : ما الرأي في أمر هذا الرجل عندكم ؟ فقال بعضهم : تأديبه أو حبسه ، وقال آخر : قطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا أو يقتدي به غيره فيما هو أكثر من هذا ، وقال أجملهم محضرا : يكشف لأبي زنبور قصته ويرسم له طرده وحرمانه ، فقال ابن الفرات : ما أبعدكم عن الخيرية والحرية وأنفر طباعكم منها ! رجل توسّل بنا وتحمّل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا ، واستمداد صنع اللّه عز وجل بالانتساب إلينا ، يكون أحسن أحواله عند أحسنكم محضرا تكذيب ظنه وتخييب سعيه ، واللّه لا كان هذا أبدا ! ثم إنه أخذ القلم من دواته وكتب « 4 » على الكتاب المزوّر « هذا كتابي ، ولست أعلم لم أنكرت أمره ، واعترضتك شبهة فيه ، وليس كل من خدمنا وأوجب حقّا علينا تعرفه ، وهذا رجل خدمني في أيام نكبتي ، وما أعتقده في قضاء حقه أكثر مما كلفتك في أمره من القيام به ، فأحسن تفقّده ووفّر رفده وصرّفه فيما يعود عليه نفعه ويصل إلينا فيما يحقق ظنه ويبيّن « 5 » موقعه » وردّه إلى أبي زنبور من يومه ، فلما مضت على ذلك مدة طويلة دخل على أبي الحسن ابن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة وبزّة

--> ( 1 ) هامش لي : حاشية بالأصل هو أبو علي الحسين بن أحمد الماذرائي المعروف بأبي زنبور . ( 2 ) ر : أكثر . ( 3 ) لي : المقال . ( 4 ) ر : ووقع . ( 5 ) ر : ويؤمن .