ابن خلكان

287

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

الدرس . وكان ثاني أبي حامد الغزالي ، بل آصل وأصلح وأطيب في الصوت والنظر ، ثم اتصل بخدمة مجد الملك بركياروق بن ملك شاه السلجوقي - المذكور في حرف الباء « 1 » - وحظي عنده بالمال والجاه وارتفع شأنه ، وتولى القضاء بتلك الدولة ، وكان محدثا يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه . ومن كلامه : إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح ، طارت رؤوس المقاييس في مهاب « 2 » الرياح . وحدث الحافظ أبو طاهر السّلفي قال : استفتيت شيخنا أبا الحسن المعروف بالكيا الهراسي ببغداد في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى بيني وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية ، وصورة الاستفتاء : « ما يقول الإمام وفّقه اللّه تعالى في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء ، هل تدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا ؟ » فكتب الشيخ تحت السؤال « نعم ، كيف لا وقد قال النبي ، صلى اللّه عليه وسلم : من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه اللّه يوم القيامة فقيها عالما ؟ » وسئل الكيا أيضا عن يزيد بن معاوية فقال : إنه لم يكن من الصحابة لأنه ولد في أيام « 3 » عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، وأما قول السلف ففيه لأحمد قولان تلويح وتصريح ، ولمالك قولان تلويح وتصريح ، ولأبي حنيفة قولان تلويح وتصريح ، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح ، وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد والمتصيد بالفهود ومدمن الخمر ، وشعره في الخمر معلوم ، ومنه قوله : أقول لصحب ضمّت الكأس شملهم * وداعي صبابات الهوى يترنّم خذوا بنصيب من نعيم ولذة * فكلّ وإن طال لدى يتصرّم [ ولا تتركوا يوم السّرور إلى غد * فربّ غد يأتي بما ليس يعلم ] « 4 »

--> ( 1 ) انظر الجزء الأول : 268 . ( 2 ) لي : مهب . ( 3 ) لي : زمان . ( 4 ) لم يرد البيت في المخطوطات ؛ والأبيات الثلاثة في تمام المتون : 82 .