ابن خلكان
288
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وكتب فصلا طويلا ، ثم قلب الورقة وكتب : لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي « 1 » هذا الرجل ؛ وكتب فلان بن فلان . وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي ، رحمه اللّه تعالى ، في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك ، فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد « 2 » : هل يحكم بفسقه أم هل يكون ذلك مرخّصا فيه ؟ وهل كان مريدا قتل الحسين ، رضي اللّه عنه ، أم كان قصده الدفع ؟ وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل ؟ ينعم بإزالة الاشتباه مثابا ، فأجاب : لا يجوز لعن المسلم أصلا ، ومن لعن مسلما فهو الملعون ، وقد قال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم : « المسلم ليس بلعّان » وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم وقد ورد النهي عن ذلك ، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي ، صلى اللّه عليه وسلم . ويزيد صحّ إسلامه ، وما صح قتله الحسين ، رضي اللّه عنه ، ولا أمره ولا رضاه بذلك ، ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به فإن إساءة الظن بالمسلم أيضا حرام ، وقد قال تعالى اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ( الحجرات : 12 ) وقال النبي ، صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء » ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين ، رضي اللّه عنه ، أو رضي به فينبغي أن يعلم به غاية حماقة ، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله ومن الذي رضي به ومن الذي كرهه لم يقدر على ذلك ، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده ، فكيف لو كان في بلد بعيد وزمن قديم قد انقضى ، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد ؟ وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب ، فهذا أمر لا تعرف حقيقته أصلا ، وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به ، ومع هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر ، والقتل ليس بكفر بل هو معصية ، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة ، والكافر
--> ( 1 ) لي : خزي . ( 2 ) م : وسئل الغزالي هل يجوز لعن يزيد وقد فعل كذا وكذا فأجاب .