ابن خلكان
172
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
الربيع بن سليمان : سمعت الشافعي ، رضي اللّه عنه ، يقول : ما عبّر أحد من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي . وقال أبو أحمد العسكري : لقد حرص المأمون على الأصمعيّ وهو بالبصرة أن يصير إليه فلم يفعل واحتج بضعفه وكبره ، فكان المأمون يجمع المشكل من المسائل ويسيرها إليه ليجيب « 1 » عنها . وقال الأصمعي : حضرت أنا وأبو عبيدة معمر بن المثنّى عند الفضل بن الربيع فقال لي : كم كتابك في الخيل ؟ فقلت : جلد واحد ، فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال : خمسون مجلدة « 2 » ، فقال له : قم إلى هذا الفرس وأمسك عضوا عضوا منه وسمّه ، فقال : لست بيطارا ، وإنما هذا شيء أخذته عن العرب « 3 » ، فقال لي : قم يا أصمعي وافعل ذلك ، فقمت وأمسكت ناصيته وشرعت أذكر عضوا عضوا وأضع يدي عليه وأنشد ما قالت العرب فيه ، إلى أن فرغت منه ، فقال : خذه ، فأخذته ، وكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبته إليه . وقد روي من طريق أخرى أن ذلك كان عند هارون الرشيد ، وأن الأصمعي لما فرغ من كلامه في أعضاء الفرس قال الرشيد لأبي عبيدة : ما تقول فيما قال ؟ قال : أصاب في بعض وأخطأ في بعض ، فالذي أصاب فيه مني تعلمه ، والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به . وكان شديد الاحتراز في تفسير الكتاب والسنّة ، فإذا سئل عن شيء منهما يقول : العرب تقول معنى هذا كذا ، ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنّة أي شيء هو . وأخباره ونوادره كثيرة ، [ حدث محمد بن الحسن بن دريد قال : حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال : دخلت على الرشيد هارون ومجلسه حافل ، فقال : يا أصمعي ، ما أغفلك عنا وأجفاك لحضرتنا ! قلت : واللّه يا أمير المؤمنين
--> ( 1 ) ر : فيجيب . ( 2 ) ر : قال فأمر بإحضار الكتابين وأحضر فرسا وقال لأبي عبيدة اقرأ كتابك حرفا حرفا وضع يدك في موضع موضع من الفرس ، فقال لست . . . الخ ، قلت : وسيورد المؤلف مثل هذا النص في ترجمة أبي عبيدة أيضا . ( 3 ) ر : أخذته وسمعته . . . وألفته .