ابن خلكان
173
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك ، قال : فأمرني بالجلوس ، فجلست وسكت عني ، فلما تفرق الناس إلا أقلهم نهضت للقيام ، فأشار إليّ أن اجلس فجلست حتى خلا المجلس ولم يبق غيري ومن بين يديه من الغلمان ، فقال : يا أبا سعيد ، ما معنى قولك ما لاقتني بلاد بعدك « 1 » ؟ قلت : ما أمسكتني يا أمير المؤمنين ، وأنشدت قول الشاعر : كفّاك كفّ ما تليق درهما * جودا ، وأخرى تعط بالسيف دما أي : ما تمسك درهما ، فقال : أحسنت ، وهكذا فكن ، وقرّنا في الملا ، وعلمنا في الخلا ، فإنه يقبح بالسلطان أن لا يكون عالما ، إما أن أسكت فيعلم الناس أني لا أفهم إذ لم أجب ، وإما أن أجيب بغير الجواب فيعلم من حولي أني لم أفهم ما قلت ، قال الأصمعي : فعلّمني أكثر مما علمته . وحكى المبرد أيضا قال : مازح الرشيد أم جعفر فقال لها : كيف أصبحت يا أم نهر ؟ فاغتمّت لذلك ولم تفهم معناه ، فأنفذت إلى الأصمعي تسأله عن ذلك ، فقال : الجعفر النهر الصغير ، وإنما ذهب إلى هذا ، فطابت نفسها « 2 » . وقال أبو بكر النحوي : لما قدم الحسن بن سهل العراق قال : أحب أن أجمع قوما من أهل الأدب ، فأحضر أبا عبيدة والأصمعي ونصر بن علي الجهضمي ، وحضرت معهم ، فابتدأ الحسن فنظر في رقاع بين يديه للناس في حاجاتهم ، فوقع عليها ، فكانت خمسين رقعة ، ثم أمر فدفعت إلى الخازن ، ثم أقبل علينا فقال : قد فعلنا خيرا ، ونظرنا في بعض ما نرجو نفعه من أمور الناس والرعية ، فنأخذ الآن فيما نحتاج إليه ، فأفضنا في ذكر الحفّاظ ، فذكرنا الزهري وقتادة ، ومررنا ، فالتفت أبو عبيدة فقال : ما الغرض أيها الأمير في ذكر من مضى وبالحضرة هاهنا من يقول ما قرأ كتابا قط فاحتاج إلى أن يعود فيه ولا دخل قلبه شيء فخرج عنه ؟ فالتفت الأصمعي وقال : إنما يريدني بهذا القول أيها الأمير ، والأمر في ذلك على ما حكى ، وأنا أقرب
--> ( 1 ) بلاد بعدك : سقط من ر . ( 2 ) قد مر هذا في ترجمة زبيدة ج 2 ص : 315 من هذا الكتاب .