ابن خلكان
46
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فمضى وأخبر الوليد بالحال ، فقالت له : كذبت يا ابن الفاعلة ، ثم جاء الوليد إلى أم البنين فدخل وهي جالسة في ذلك البيت تمشط رأسها ، وكان الخادم قد وصف له الصندوق ، فجلس الوليد فوقه ثم قال : يا أم البنين ما أحب هذا البيت إليك دون البيوت ، فلم اخترته ؟ قالت : لأنه مجمع حوائجي كلها فأنا أتناولها منه من قريب ، فقال : هبي لي صندوقا من هذه الصناديق ، فقالت : كلها بحكمك يا أمير المؤمنين ، فقال : إنما أريد واحدا منها ، فقالت : خذ أيها شئت ، فقال : هذا الصندوق الذي تحتي ، فقالت : غيره أحب إليك منه فإن لي فيه أشياء أحتاج إليها ، فقال : ما أريد سواه ، فقالت : خذه ، فدعا بالخدم وأمرهم بحمله حتى انتهى إلى مجلس فوضعه فيه ثم دعا عبيدا له عجما وأمرهم بحفر بئر في المجلس فحفرت إلى الماء ، ثم دعا بالصندوق فوضعه على شفير البئر ودنا منه وقال : يا صاحب الصندوق إنه بلغنا شيء إن كان حقا فقد دفنّاك ودفنّا ذكرك إلى آخر الدهر ، وإن كان باطلا فإنما دفنّا الخشب وما أهون ذلك . ثم قذف به في البئر وهيل عليه التراب وسويت الأرض ورد البساط عليه ، فما رؤي الوضاح بعد ذلك اليوم ولا أبصرت أم البنين في وجه الوليد غضبا حتى فرق الموت بينهما . وقيل : حضر بساط الحجاج رجل تعيّن عليه القتل وحضر أهل القود بحضوره ، فلما فرش النطع وسل السيف اتفق أن ملأ عينه في حاله تلك فرأى بريق السيف ولمعان برق فاستنظر ثم أنشد مرتجلا : تألّق البرق من نجد فقلت له * يا أيها البرق إني عنك مشغول يكفيك ما قد ترى من ثائر حنق * في كفه كصبيب الماء مسلول فلما رأى الحجاج ما كان من حضور ذهنه وجودة شعره عطف عليه إشفاقا له وعرض على طالبيه أن يؤدي عنه ديته ، فجعلوا يأبون وجعل يتولج في تحليل القصة ويتدرج في تنفيس الدية حتى بذل لهم دية ملك ، فلما أبوا وعتوا قال لحرسه : فكوا قيده وخلوا سبيله فإن من لم ينس أحبته في هذا المقام لجدير أن لا يقتل .