ابن خلكان
47
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وقيل : أخذ الحجاج أعرابيا سرق فأمر بضربه فضرب ، فكلما ضربه بالسوط قال : اللهم شكرا ، فأتاه ابن عم له وقال : واللّه ما دعا الأمير إلى التمادي في ضربك إلا لكثرة شكرك لأن اللّه تعالى يقول : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ( إبراهيم : 7 ) فأمر بإطلاقه . وحدث « 1 » محمد بن القاسم الأنباري عن المدائني عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص قال : كنت أدخل مع عنبسة إذا دخل على الحجاج ، فدخل يوما ودخلت معه وليس عند الحجاج أحد غير عنبسة فقعدت ، فجيء الحجاج بطبق رطب فأخذ الخادم منه شيئا فجاءني به ، ثم جيء بطبق آخر فأتاني الخادم منه بشيء ، ثم جيء بطبق آخر حتى كثرت الأطباق ، وجعل لا يأتون بشيء إلا جاءني منه بشيء حتى ظننت أن ما بين يديّ أكثر مما عندهم ؛ ثم جاء الحاجب فقال : امرأة بالباب ، فقال الحجاج : أدخلها ، فدخلت ، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض ، فجاءت حتى قعدت بين يديه ، فنظرت فإذا امرأة حسنة الخلق ومعها جاريتان لها فإذا هي ليلى الأخيلية ، فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له ، فقال لها : يا ليلى ما الذي أتى بك ؟ قالت : إخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد اللّه الرفد ، فقال لها : صفي لنا الفجاج ، فقالت : الفجاج مغبرّة والأرض مقشعرّة والمبرك معتلّ وذو العيال مختلّ والهالك للقلّ والناس مسنتون ، رحمة اللّه يرجون ، قد أصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعا ولا ربعا ولا عافطة ولا نافطة ، أذهبت الأموال ومزقت الرجال وأهلكت العيال ؛ ثم قالت : إني قلت في الأمير قولا ، قال : هاتي ، فأنشأت تقول : أحجاج لا يفلل سلاحك إنما ال * منايا بكفّ اللّه حيث يراها أحجاج لا تعطي العداة مناهم * ولا اللّه يعطي للعداة مناها إذا نزل الحجاج أرضا مريضة * تتبّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها * غلام إذا هزّ القناة سقاها
--> ( 1 ) انظر أمالي القالي 1 : 85 .