ابن خلكان
377
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وكانت بنت سعيد المذكورة خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ولّاه العهد ، فأبى سعيد أن يزوّجه ، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه في يوم بارد وصبّ عليه الماء ؛ قال يحيى بن سعيد : كتب هشام بن إسماعيل والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان : إن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب ، فكتب أن اعرضه على السيف ، فإن مضى فاجلده خمسين جلدة وطف به أسواق المدينة ، فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد اللّه على سعيد بن المسيب ، وقالوا : جئناك في أمر ، قد قدم كتاب عبد الملك إن لم تبايع ضربت عنقك ، ونحن نعرض عليك خصالا ثلاثا ، فأعطنا إحداهن ، فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب ، فلا تقل لا ولا نعم ، قال : يقول الناس : بايع سعيد بن المسيب ، ما أنا بفاعل ، وكان إذا قال لا لم يستطيعوا أن يقولوا نعم ، قالوا : فتجلس في بيتك ولا تخرج إلى الصلاة أياما ، فإنه يقبل منك إذا طلبك من مجلسك فلم يجدك ، قال : فأنا أسمع الأذان فوق أذني حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة ، ما أنا بفاعل ، قالوا : فانتقل من مجلسك إلى غيره فإنه يرسل إلى مجلسك ، فإن لم يجدك أمسك عنك ، قال : أفرقا من مخلوق ؟ ما أنا بمتقدم شبرا ولا متأخر ، فخرجوا وخرج إلى صلاة الظهر ، فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه ، فلما صلى الوالي بعث إليه ، فأتي به ، فقال : إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك ، قال : نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن بيعتين ، فلما رآه لم يجب أخرج إلى السدة ، فمدّت عنقه وسلّت السيوف ، فلما رآه قد مضى أمر به فجرد ، فإذا عليه ثياب شعر ، فقال : لو علمت ذلك ما اشتهرت بهذا الشأن ، فضربه خمسين سوطا ، ثم طاف به أسواق المدينة ، فلما ردوه والناس منصرفون من صلاة العصر قال : إن هذه لوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة ، ومنعوا الناس أن يجالسوه ، فكان من ورعه إذا جاء إليه أحد يقول له : قم من عندي ، كراهية أن يضرب بسببه . قال مالك رضي اللّه عنه : بلغني أن سعيد بن المسيب كان يلزم مكانا من المسجد لا يصلي من المسجد في غيره ، وأنه ليالي صنع به عبد الملك ما صنع