ابن خلكان

33

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

[ قال أبو العباس المبرد « 1 » في إسناد ذكره آخره عبد الملك بن عمير الليثي قال : بينا نحن في المسجد الجامع بالكوفة وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ أتانا آت فقال : هذا الحجاج ابن يوسف قد قدم أميرا على العراق ، فإذا به قد دخل المسجد متعمما بعمامة غطى بها أكثر وجهه متقلدا سيفا متنكبا قوسا يؤمّ المنبر ، فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم ، فقال الناس بعضهم لبعض : قبّح اللّه بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق ، قال عمير بن ضابىء البرجمي : ألا أحصبه لكم ؟ فقالوا : أمهل حتى ننظر ، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه ونهض فقال : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني ثم قال : واللّه يا أهل الكوفة والعراق إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها ، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى ، وإن أمير المؤمنين نثر كنانته فعجم عيدانها فوجدني أمرّها عودا وأصلبها مكسرا ، فرماكم بي لأنكم طال ما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال ، واللّه لأحزمنكم حزم السّلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ، فإنكم لكأهل قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( النحل : 112 ) . واللّه إني ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت ، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة ، وإني أقسم باللّه لا أجد رجلا تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه ؛ يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين ، فقرأ : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من عبد اللّه عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين ، سلام عليكم ، فلم يقل أحد شيئا ، فقال الحجاج : اكفف يا غلام ، ثم أقبل على الناس فقال : يسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئا ؟ هذا أدب ابن نهية ، أما واللّه لاؤدبنكم

--> ( 1 ) الكامل 1 : 380 .