ابن خلكان

34

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

غير هذا الأدب أو لتستقيمن ، اقرأ عليهم يا غلام كتاب أمير المؤمنين ، فلما بلغ إلى قوله : سلام عليكم ، لم يبق أحد في المسجد إلا قال : وعلى أمير المؤمنين السلام ، ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال : أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي ابن هو أقوى على الأسفار مني أفتقبله بدلا مني ؟ فقال الحجاج : نفعل أيها الشيخ ، فلما ولى قال له قائل : أتدري من هذا أيها الأمير ؟ قال : لا ، قال : هذا عمير بن ضابىء البرجمي الذي يقول أبوه في عثمان بن عفان : هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولا فوطىء بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه ؛ فقال : ردوه ، فلما ردّ قال له الحجاج : أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان رحمه اللّه تعالى بديلا يوم الدار ؛ إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحا للمسلمين ، يا حرسي اضربن عنقه ؛ فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل ويأمر وليه أن يلحقه بزاده ، ففي ذلك يقول عبد اللّه بن الزبير الأسدي : تجهز فإما أن تزور ابن ضابىء * عميرا وإما أن تزور المهلبا وكان من قصة عمير بن ضابىء أن أباه ضابىء بن الحارث البرجمي وجب عليه حبس عند عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وأدب ، وذلك أنه كان استعار كلبا من قوم فأعاروه إياه ثم طلبوه منه وكان فحاشا فرمى أمهم به ، فقال في بعض كلامه : فأمكم لا تتركوها وكلبكم * فإن عقوق الوالدات كبير فاضطغن على عثمان رضي اللّه عنه ما فعل ، فلما دعي ليؤدّب شد سكينا في ساقه ليقتل بها عثمان رحمه اللّه فعثر عليه فأحسن أدبه ، ففي ذلك يقول : هممت ولم أفعل ] « 1 » .

--> ( 1 ) انفردت النسخة د بالقطعة كلها الواقعة بين معقفين .