ابن خلكان
30
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
دخلت عليك في السحر وأنت تتخللين ، فإن كنت بادرت « 1 » الغداء فأنت شرهة ، وإن كنت بتّ والطعام بين أسنانك فأنت قذرة ، فقالت : كل ذلك لم يكن ، لكني تخللت من شظايا السواك « 2 » ؛ فتزوجها بعده يوسف بن أبي عقيل الثقفي ، فولدت له الحجاج مشوها لا دبر له ، فنقب عن دبره ، وأبى أن يقبل ثدي أمه أو غيرها ، فأعياهم أمره ، فيقال : إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة المقدم ذكره ، فقال : ما خبركم ؟ قالوا : بنيّ ولد ليوسف من الفارعة ، وقد أبى أن يقبل ثدي أمه ، فقال : اذبحوا جديا أسود وأولغوه دمه ، فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك ، فإذا كان اليوم الثالث فاذبحوا له تيسا أسود وأولغوه دمه ، ثم اذبحوا له أسود سالخا فأولغوه دمه ، واطلوا به وجهه ، فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع ، قال : ففعلوا به ذلك ؛ فكان لا يصبر عن سفك الدماء لما كان منه في أول أمره ، وكان الحجاج يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء وارتكاب أمور لا يقدم عليها غيره . وذكر ابن عبد ربه في « العقد » « 3 » أن الفارعة المذكورة كانت زوجة المغيرة ابن شعبة ، وأنه هو الذي طلقها لأجل الحكاية المذكورة في التخلل ؛ وذكر أيضا أن الحجاج وأباه كانا يعلّمان الصبيان بالطائف ، ثم لحق الحجاج بروح بن زنباع الجذامي وزير عبد الملك بن مروان ، فكان في عديد شرطته إلى أن رأى عبد الملك انحلال عسكره ، وأن الناس لا يرحلون برحيله ولا ينزلون بنزوله ، فشكا ذلك إلى روح بن زنباع ، فقال له : إن في شرطتي رجلا لو قلّده أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحل الناس برحيله وأنزلهم بنزوله يقال له الحجاج ابن يوسف ، قال : فإنا قد قلدناه ذلك ، فكان لا يقدر أحد أن يتخلّف عن الرحيل والنزول إلا أعوان روح بن زنباع ، فوقف عليهم يوما وقد أرحل الناس وهم على طعام يأكلون فقال لهم : ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين ؟ قالوا له : انزل يا ابن اللّخناء فكل معنا ، قال لهم : هيهات ،
--> ( 1 ) س : باكرت . ( 2 ) زاد في ص هنا قال : كنت فبنت ، فقالت : واللّه ما فرحنا إذ كنا ولا حزنا إذ بنا ؛ وهي من قصة أخرى ، ولا حاجة لإيرادها بعد قوله في صدر القصة « فبعث إليها بطلاقها » . ( 3 ) انظر العقد 5 : 13 - 14 .