ابن خلكان
31
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
ذهب ما هنالك ، ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط وطوفهم في العسكر وأمر بفساطيط روح فأحرقت بالنار ، فدخل روح على عبد الملك باكيا ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إن الحجاج الذي كان في شرطتي ضرب غلماني وأحرق فساطيطي ، قال : عليّ به ، فلما دخل عليه قال له : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : أنا ما فعلت ، قال : ومن فعل ؟ قال : أنت فعلت ، إنما يدي يدك ، وسوطي سوطك ، وما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الفسطاط فسطاطين ، وعوض الغلام غلامين ولا يكسرني فيما قدمني له ، فأخلف لروح ما ذهب له ، وتقدم الحجاج في منزلته ، وكان ذلك أول ما عرف من كفايته . وكان للحجاج في القتل وسفك الدماء والعقوبات غرائب لم يسمع بمثلها ، ويقال : إن زياد ابن أبيه أراد أن يتشبه بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في ضبط الأمور والحزم والصّرامة وإقامة السياسات إلا أنه أسرف وتجاوز الحد ، وأراد الحجاج أن يتشبه بزياد فأهلك ودمّر « 1 » . وخطب يوما فقال في أثناء كلامه : أيها الناس ، إن الصبر عن محارم اللّه أيسر من الصبر على عذاب اللّه ، فقام إليه رجل فقال : ويحك يا حجاج ، ما أصفق وجهك وأقل حياءك ! فأمر به فحبس ، فلما نزل عن المنبر دعا به فقال له : لقد اجترأت علي ، فقال له : أتجترىء على اللّه فلا ننكره ، ونجترىء عليك فتنكره ؟ فخلى سبيله . وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه « تلقيح فهوم أهل الأثر » أن الفارعة أم الحجاج هي المتمنية ، ولما تمنت كانت تحت المغيرة بن شعبة ، وقصّ قصتها ، ونذكرها مختصرة ، وهي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه طاف ليلة في المدينة فسمع امرأة تنشد في خدرها : هل من سبيل إلى خمر فأشربها * أم من سبيل إلى نصر بن حجّاج فقال عمر رضي اللّه عنه : لا أرى معي في المدينة رجلا تهتف به العواتق في خدورهن ؛ عليّ بنصر بن حجاج ، فأتي به ، فإذا هو أحسن الناس وجها
--> ( 1 ) وكان الحجاج . . . ودمر : سقط من ر س .