ابن خلكان
286
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
أيها المحبوب ، فاجعل خلوتي منك في هذه الليلة عتقي من النار ] « 1 » . [ ولقي سفيان الثوري رابعة - وكانت زرية الحال - فقال لها : يا أم عمرو أرى حالا رثة فلو أتيت جارك فلانا لغيّر بعض ما أرى ، فقالت له : يا سفيان وما ترى من سوء حالي ؟ ألست على الإسلام فهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر معه والأنس الذي لا وحشة معه ؛ واللّه إني لأستحيي أن أسأل الدنيا من يملكها فكيف أسألها من لا يملكها ؟ فقام سفيان وهو يقول : ما سمعت مثل هذا الكلام . وقالت رابعة لسفيان : إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكلّ وأنت تعلم فاعمل . كان أبو سليمان الهاشمي له بالبصرة كل يوم غلة ثمانين ألف درهم ، فبعث إلى علماء البصرة يستشيرهم في امرأة يتزوجها فأجمعوا على رابعة العدوية فكتب إليها : أما بعد فإن ملكي من غلة الدنيا في كل يوم ثمانون ألف درهم وليس يمضي إلا قليل حتى أتمها مائة ألف إن شاء اللّه ، وأنا أخطبك نفسك ، وقد بذلت لك من الصداق مائة ألف وأنا مصيّر إليك من بعد أمثالها ، فأجيبيني ، فكتبت إليه : أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن ، والرغبة فيها تورث الهم والحزن ، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك ، وكن وصيّ نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك ، وصم دهرك واجعل الموت فطرك ، فما يسرّني ان اللّه خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين والسلام . وقالت امرأة لرابعة : إني أحبك في اللّه ، فقالت لها : أطيعي من أحببتني له . وكانت رابعة تقول : اللهم قد وهبت لك من ظلمني فاستوهبني ممن ظلمته . قال رجل لرابعة : إني أحبك في اللّه ، قالت : فلا تعص الذي أحببتني له ] « 2 » . وأورد لها الشيخ شهاب الدين السّهرورديّ في كتاب « عوارف المعارف » : إنّي جعلتك في الفؤاد محدّثي * وأبحت جسمي من أراد جلوسي
--> ( 1 ) زيادة من ص . ( 2 ) زيادة من ص د ، وقد انفردت د منها بأشياء يسيرة .