محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )

5

أخبار القضاة

[ الجزء الأول من كتاب أخبار القضاة ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم مقدّمة لك الحمد ربّ ، حكمت فعدلت ، وما شئت أنفذت ، لا راد لقضائك ، ولا ملجأ من ورائك ، بيدك مصائر الخلق ، وعواقب الأمر . سبحانك منك الخير ، فارزقنا الهداية ، وجنبنا مشاعب الغواية . وصلاة وسلاما على المصطفى من خلقك ، والمرتضى من رسلك ، صلاة نحتسبها بين يدي عملنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم . وبعد فها هو ذا كتاب أخبار القضاة لوكيع ، يعرض للناس لأول مرة بعد أن بقي محجبا في بطون الغيب ، واحتجزته خزائن الكتب ، أحقابا طوالا لا يحصيها عد ، وكان أول عهدي به حديثا عنه من صديقي الكريم الشيخ علي حسن عبد القادر كان مشوقا ، وكان حافزا لي على قراءته ، واستجلاء ما خفي من خباياه ، فما كدت أمتع النظر به حتى وجدته كنزا من الخير إن تيسر للناس سبل الانتفاع به . وقد راعني منه أنه ليس بالكتاب الذي يحمل المعاني التي يشير إليها عنوانه فحسب ، فهو ليس بمجموعة لأحكام القضاة الذين وصل إلى المؤلف علمهم ، وانتهى إليه خبرهم ، وإنما هو كتاب أدب ولغة ، وكتاب تاريخ وقصص ، وهو صورة للحياة السياسية التي مثل الكتاب عصرها ، وهو تبيان للأوضاع والأحداث التي كانت تعج بها الدولة الإسلامية في عصورها الأولى ؛ فهو مورد للمؤرخ والباحث ، كما هو مورد للفقيه والقاضي ، في عبارة طيّعة وبيان رائع ، وهو حافل بتراجم كثير من القضاة ورجال الحديث الذين يعز وجود ترجمة شافية لهم في غير هذا الكتاب . وفي الكتاب معنى امتاز به عن كثير من الكتب التي عرضت لموضوع تاريخ القضاة وأخبارهم مثل الكندي ومن لف لفّه ؛ ذلك أن أولئك كتبوا تاريخ القضاة في أمصار خاصة ، كان كل وكدهم العناية بها مع شيء من الاختصار ، وفي شيء غير قليل من الجفاف ونقص الطلاوة في التعبير ؛ أما وكيع مؤلف كتابنا الذي نقدمه اليوم ، فقد أربى عليهم في هذا الباب ؛ فقد كتب أخبار القضاة في جميع الأمصار الإسلامية في ثلاثة القرون التي سبقت وفاته ؛ أي من صدر الإسلام إلى نهاية العصر العباسي الذهبي حسبما عرف من أخبار وصلت إليه ، أو وقعت تحت بصره ، لم يخص قطرا دون