محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )

6

أخبار القضاة

آخر ، ولا مصرا دون غيره ؛ كتب ذلك في نقد وفي تحليل ، يعطيك فكرة عن عقل الرجل ونظرته للحوادث ، وفي بيان فياض ولغة رائعة ؛ ووكيع أديب وراوية ، وحسبك أنه شيخ من شيوخ أبي الفرج الأصفهاني ، وحلقة من إسناده ، ونظرة إلى أجزاء كتاب الأغاني تعطيك فكرة عن رواية الأصفهاني عن وكيع ، وبذلك أتيح لوكيع ما لم يتح لغيره من موهبة في هذه الناحية . وشيء آخر وراء هذا ؛ ذلك أن هذا الكتاب من أقدم الكتب التي وصلت إلينا ، والتي عرضت لأخبار القضاة ؛ فهو بهذا الاعتبار مصدر قيم جليل الأثر والمقدار ، وهو حكم في كثير من الاختلافات التي شجرت في شتى أنواع الحوادث والقضايا التي يحفل بها التاريخ الإسلامي ، ويحفل بها فقهه وقضاؤه في شتى أبواب التشريع في العصر الأول ، وهو - كما نعلم - العصر الذي يتطلع إليه الباحثون عندما تعرض لهم مسألة لا يعرفون لها إصدارا ولا إيرادا في كتب الفقه المتأخرة ، أو عندما يريدون حل مشكلة تعرض لهم على وجه لا يجدون فيه طلبتهم ، أو يبلغون أملهم في كتب الفقه المدونة في العصور المتأخرة ، بعد استقرار المذاهب ، وبعد أن ساد سلطانها على أفكار الدارسين للفقه الإسلامي إلى حد جعل الخروج عن حظيرتها قيد شعرة موجبا لغير قليل من النقد والتجريح . ووكيع كان قاضيا ، خبيرا بأساليب القضاة ومناحي أقضيتهم ، ومناهج تفكيرهم ، وطرائق حلهم لما استعصي من القضايا المتعددة الشعب ، المشتبكة الأطراف ، والتي تحتاج إلى دقة ولباقة من القاضي يستطيع عن طريقها أن يعطي كل ذي حق حقه ، من غير أن يحول دونه لدد الخصومة من مدع ، أو مراوغة من مدعى عليه ، ودون أن يحول دون قضائه بالحق تأثير من ذي سلطان ، أو رهبة من ذي ولاية . وأخبار القضاة لوكيع - كغيره من الكتب المؤلفة على هذا الغرار - نوع مما يسمى في عصرنا الحديث مجموعة رسمية يذكر فيها كثير من القضايا المختارة لطرافتها ، أو لدقة المبادئ التي بنيت عليها الأحكام . والفقه الإسلامي قد تأثر كثيرا بأحكام القضاة ، وكثير من نصوصه قد بني على آرائهم ، بل إن القضاء في الإسلام كان له أثر بارز في تحديد الآراء الفقهية ؛ فالقضاء - كما يعلم الدارسون للفقه الإسلامي - يرفع الخلاف في المجتهدات ، ويضع حدا للنزاع الفقهي في المسألة ، بل إن له آثارا أجل من هذا كما يعلم من الرجوع لآراء فقهاء الحنفية في كتاب القضاء بما لا نرى داعيا للإطالة بذكره . وإليك عبارة ذكرها شهاب الدين القرافي - في كتاب الأحكام - قال : السؤال السادس عشر : ما الفرق بين حكم الحاكم في المجمع عليه فإنه لا ينقض ، وبين حكمه في المختلف فيه فإنه لا ينقض أيضا ، والإجماع في المسألتين ؟ فهل المانع واحد أو مختلف ؟ فإن كان الإجماع فهو واحد وإن كان ثمت مانع آخر فما هو ؟