محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
299
أخبار القضاة
وأزره ، وأنفذ حكمه ، وأسبغ عليه ، وعلى أعوانه وكتابه من الأرزاق ، فإن الحكم مهيمن على سائر الأعمال مقدم بين يديها إمام لها ، وحكم عليها ، وقوام لها . ومن ذلك هذا الفيء ، وأخذه من مواضعه بسنته ، وعدله على قدر ما يطلق أهله من التخفيف عنهم ، وحتى يترك لهم ما يصلحهم وأرضهم ، ومن تحت أيديهم من أعوانهم وعيالاتهم ، وحتى ينفق على فقيرهم ، وكذلك بلغني من السيرة فيهم ، كان يفعل ويذكر ذلك فيهم ، في عامهم لقابلهم ؛ فإن ذلك أعمر للبلاد ، وأدر للحلب وأكثر للخراج ، وأعدل في الرعية فإن قليل ما يوجد منهم في التخفيف عليهم مع عمارة بلادهم ، وأنصبتهم أكبر أضعافا كبير ما يوجد منهم في إهلال أنفسهم ، وإخراب بلادهم وأن يوفى لموادعهم بشروطهم ، فإني أرى فيما قبلي ههنا عجبي من أمرين في شيء واحد ، أما أحدهما : فإني آتي في بعض ما قبلنا الأرض التي هي منها وإلى جنبها وأربية « 1 » من أرابيها ، يوفي لأهلها بالشروط وفي المزارعة ويقارب لهم الوفاء ، فيخرج من الخراج أكبر مما تخرج تلك الكور كلها ، وفي الأمر الآخر الذي كتب فيه أمير المؤمنين أبو جعفر إلى سوّار بن عبد اللّه ، وهو يومئذ على قضاء البصرة : إني قد أمرت بالوفاء للمزارعين المتقبلين « 2 » بشروطهم فاعلم ذلك وأعلمه الناس قبلك ، ثم أرى الرجل من أولئك المزارعين يشكو أنه يؤخذ منه أضعاف ما قوطع عليه ، يا أمير المؤمنين ( أبي جعفر ) : ثم يوضع هذا الفيء ، بعد استخراجه ، على سننه وعدله مواضعه ، فإن أمير المؤمنين قد علم إن شاء اللّه أن أهله ومواضعه أهل الآيات الأربع التي في سورة الحشر ، وآية الخمس التي في سورة الأنفال ، وهي الآيات الأربع التي أولاهن : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى إلى قوله : شَدِيدُ الْعِقابِ وقد عرف أمير المؤمنين إن شاء اللّه ، ( أن ) أهل هذه الآية ومواضعها ، ثم قال : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ليس فيهم الأنصار ثم قال : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ الآية . وقد عرف ، إن شاء اللّه ، أن أهل هذه الآية هم الأنصار ، ليس فيها من المهاجرين أحد ، قال تعالى : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الآية وعرف ، إن شاء اللّه ، أن أهل هذه الجماعة من بقي من الإسلام ، ومن هو داخل فيه حتى تنقضي الدنيا . وبلغني : أن عمر بن الخطاب فسر هؤلاء الآيات الثلاث موضعا لهذا الفيء ، وكذلك بلغني عن عمر بن عبد العزيز ، ولا أظن بلغني ذلك إلا عن عمر بن الخطاب ، فتبعه فهذا الفيء كذلك بينهم وفيهم على ما يرى إمام العامة في قسمته بينهم من تفضيل بعضهم على بعض على مناقبهم ، وسابقتهم ، وولاية من ولي اللّه فتح أول ذلك على يديه منهم ، وحفظ أعقابهم من بعدهم ، وكذلك بلغني أنه كان يفعل .
--> ( 1 ) الأربية أصل الفخد ، أو ما بين أعلاه وأسفل البطن ، ولعل المراد شدة اتصالها بها . ( 2 ) تقبل العمل إذا التزم بعقد ، والمراد به هنا من يأخذون الأراضي بمبلغ معلوم لبيت المال ثم يجبون الخراج لأنفسهم .