محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
300
أخبار القضاة
والتسوية بين من استوت منازلهم ممن سواهم من الناس من ذلك ، وقد بلغني ، ولا أخال أمير المؤمنين ، أمتع اللّه به ، إلا قد علم ذلك وبلغه ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أخذ من « 1 » ذروة سنامي بعير بين أصبعه شعرات ثم قال : ما لأمير ولا مأمور مما أفاء اللّه عليهم مثل هذا إلا الخمس والخمس مردود عليكم ، وقال : ولو كان ما أفاء اللّه عليكم مثل سمر تهامة نعما ما وجدتموني فيه بخيلا ولا يغلى أدّابا « 2 » . وهذه الصدقات أخذها من واضعها لا يجاوز بشر فريضة إلى ما فوقها ، ولا يقتصر بها إلى ما دونها ، ولا يغلى عليها قيمتها ، ولا إخال أمير المؤمنين إلا قد بلغه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : المعتدي بالصدقة « 3 » كمانعها ، وأن يوجد من الحروب والثمار وسائر الأموال التي جرت فيها الصدقات على سننها التي قد علمها المسلمون ، وعلموا بها ؛ وأن يؤخذ من تجار أهل الذمة ضعف ما يؤخذ من تجار المسلمين ، فكذلك بلغني : أن عمر بن الخطاب أمر به في أموال تجار أهل الذمة وأنه أمر أن يؤخذ من تجار الحرب إذا قدموا على المسلمين ، كنحو ما يأخذ أهل الحرب من تجار المسلمين إذا قدموا عليهم ، ووضع هذه الصدقات في مواضعها من أهل الصدقة الذين أمر اللّه بهم في كتابه ، لا يجاوز بهم إلى غيرهم ، ولا يقصر بها دونهم يوم تدلك الآية التي في براءة ، وهي : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ( إلى ) وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، تقسم بين هذه الآية على ما يرى الإمام من قسمتها بينهم على قدر قلة كل صنف منها وكثرته ، ولا يعدل صدقة عن أهل بلدها إلا أن يستغنوا عنها ، أو يستغنوا بما يقسم فيهم منها في عامهم ذلك إلى حين يقسم الصدقة فيهم من قابلهم ، فإذا كان كذلك عدلت عنهم عامهم ذلك إلى أدنى من يليهم من الفقراء على نحو من ذلك القسم . فهذه الخصال الأربع التي يعلم أمير المؤمنين أنها هي جمل الأعمال في رعيته ، ويعلم أن ليس لأحد في كتاب اللّه ولا في شيء من سنة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أمر رأي إلا الانقياد له ، والمجاهدة عليه ، وما سوى ذلك من الأمور التي تبتلى بها الأئمة مما يؤتى فيه الناس مما لم يحكم القرآن ولا سنة النبي صلّى اللّه عليه وسلم فإن ولي أمر المسلمين ، وإمام جماعتهم لا يقدم فيها بين يديه ، ولا يقضي فيه دونه ، بل على من دونه رفع ذلك إليه ، والتسليم لما قضى . وأما الخصلتان اللتان تصلحان بهم بإذن اللّه إن شاء اللّه ؛ فالمسألة لأهل الذكر ، والأمانة عن قاضي عمال أمير المؤمنين ، ودانيهم ، ثم اللحاق بكل ما هو أهله من جزاء المحسن بإحسانه وتأديب المسئ منهم بإساءته ، أو عزله والاستبدال به على قدر ما يستحقون من التأديب والعزل .
--> ( 1 ) وقعت هذه القصة حين قسم النبي عليه السلام غنائم هوازن ورويت في التاريخ لابن كثير ، وروى جزءا منها أبو داود والنسائي وأحمد ، وكذلك ورد بعضها في كتاب الأموال لأبي عبيد . ( 2 ) أي أصنع المآدب والولائم ، والمراد مبذّرا - المراجع . ( 3 ) قال المنذري في الترغيب والترهيب : رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حزيمة في صحيحه ، كلهم من رواية سعد بن سنان ، عن أنس ، وقال الترمذي : حديث غريب .