محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
298
أخبار القضاة
وعلى رعيته فيه : من السمع والطاعة والسكون ، والاستقامة وصلاح ذات البين ، وما يوسع اللّه به على يديه إن شاء اللّه على الجماعات والبيضة مع موضعه الذي وضعه اللّه من رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، والخلفاء وأن ليس بالذي قصر به تقارب سر ، فلم يبق إلا الشكر ، وأن يأمر فيطاع ، وقد علم أمير المؤمنين أنه قد كان يقال : « ليوم من إمام عدل خير من عبادة ستين سنة » ، ففي مثل ذلك يا أمير المؤمنين فليتنافس المتنافسون من الولاة ، وقد علم أمير المؤمنين أن حمل عليه في هذه الرعية خصال أربع : الثغور ، والأحكام ، والفيء ، والصدقة ، وأن مما تصح بهذه الخصال الأربع بإذن اللّه خصلتان : فأما الثغور فقد علم أمير المؤمنين أن قوامها بإذن اللّه أهل النجدة والشجاعة ، من أهل الحنكة والتجربة ، وأن مما يصلح أولئك ما استعين بهم أن يسبغ عليهم وعلى جندهم من العطاء والأرزاق ، وأن لا يوكلوا إلى ما يصيبون من غنائمهم ، بل يجلب لهم ولجندهم عندما يحدث اللّه لهم وعلى أيديهم من ذلك العطاء ، والألطاف ، ويخص بجمال ذلك أهل النجدة والبأس والنكاية في العدو منهم ، ويسمو بهم إلى أفضل غايتهم ( ويعرف ذلك لهم ، ويذكرون به ، ويحفظ لهم ، ويحفظون به في أعقابهم من بعدهم بواجب حقهم ) ، وليتنافس في ذلك من سواهم وليستنصروا به ثم لا يحجب لهم بقبولها ولو طرق طروقا ، فقد بلغني أن بعض الفقهاء التابعين رفع الحديث ؛ قال : لا يزال لهذه الأمة طعمة ما بيتت ثغورها ، فإذا بيتت من قبل ثغورها بينت طعمها أو انقطعت مدتها ، وهنا لك يطعن الرجال فيهم ، فالثغور الثغور يا أمير المؤمنين ، ثم الثغور الثغور يا أمير المؤمنين ، فإن الثغور حصون بإذن اللّه للعباد ، وسكن للبلاد ، وقرار لهذه الأمة ليبلغوا منافعهم وصلاحهم في دينهم ودنياهم ، ولتتم لهم مدة بقاء معالم دينهم آمنين مطمئنين وفي ذلك يا أمير المؤمنين ، بلاء من اللّه في نعمه عليهم وإحسانه إليهم عظيم ، والأجر في ذلك لمن ولاه إقامتهم ، والورد فيه على حسب ذلك ، فعصم اللّه أمير المؤمنين من سيّء ذلك ، ووفقه لأحسنه . وهذه الأحكام والحكام ولا يمنعني ما أنا بسبيله ، فلما أن أنهي إلى أمير المؤمنين ، بمبلغ علمي ، النصيحة له في ذلك ، فإني علم أن بقائي فيما أنا فيه قليل إما بفراق في الحياة ، وإما بموت ، فإن أكبر ما أحض عليه من ذلك يكون لسواي ، فأما الأحكام فإن الحكم بما في كتاب اللّه ، ثمّ بما في سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إن لم يوجد ذلك في كتاب اللّه ، ثم ما أجمع عليه الأئمة الفقهاء إن لم يوجد ذلك في سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم اجتهاد الحاكم ، فإنه لا يألو إذا ولاه الإمام ذلك ، مع مشاورة أهل العلم . فأما الحكام ، فقد علم أمير المؤمنين ، إن شاء اللّه ، أدنى مأموله أن يكون في الحاكم الورع والعقل ، فإن أحدهما إن أخطأه لم يقمه أهل العلم ، واختيار خيار ما يشار به عليه في ذلك فإن كان له مع ذلك فهم وعلم من الكتاب والسنة ، كان بالغا ، فإن كان مع ذلك ذا حكم ، وصرامة وفطنة بمذاهب الناس ، وغوامض أمورهم التي عليها يتظالمون فيما بينهم وبها يقارعونه عن دينه ودنياه ، كان ذلك هو الكامل التام ، فإذا وجد أحد أولئك استعين به ثم ثبتت نعله وأعلى كعبه ، وشد ظهره