محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
161
أخبار القضاة
تقدمت حمولة الثّلج ، فاستسقى فبعثت الخيل في طلب الثلج فجعلت الخيل تحصف « 1 » الجبل ، وقد اشتد عطشه ، فقال : اسقني من ماء الرّجل ، فلما أقرّه في فيه مجّه ؛ فقال له أبو البختري : يا أمير المؤمنين قد كنت ألتمس موضعا لوعظك فلا أجد ، وقد أمكنني الآن ، أفتأذن ؟ قال : نعم ؛ قال : فقلت : يا أمير المؤمنين لو شربت الحارّ والقارّ ، ولبست اللّين والخشن ، وأكلت الطّيب والخبيث ، فإنك لا تدري ما يكون من تصرّف الدهر ؛ فانتفخ في ثوبه حتى ظننته سينماز عنه ثم انحمص ، وعاد لونه ، وقال : يا أبا البختري إنا نلبس هذه النّعمة ما أعطتنا فإذا ، وأعوذ باللّه ، فارقتنا ، رجعنا إلى عود غير خوّار . وذكر أبو زيد عن أبي غسّان ؛ قال : كلمت أبا البختري في يتيم عندي يثيبه ، فوعدني مرارا ، فشكوت ذلك إلى كاتب له ، فقال : أنت لا تحسن أن تسأل أبا البختري ؛ إذا صلّى فمر اليتيم فليصح به من وراء المقصورة : يا أبا البختري ؛ قال : قلت : أفعل ؛ فجئت باليتيم ، فأقمته من وراء المقصورة ، فلما صلّى قال : يا أبا البختري ؛ قال : لبّيك ، وأقبل عليه ، وقال : ما لك ؟ قال : أنا غلام يتيم ، قال : در إلى الباب فأتيته . أخبرني محمد بن سعيد بن الحسن السامي ؛ قال : حدّثنا سهل بن محمّد ؛ قال : حدّثنا الأصمعي ؛ قال : قال لي الفضل بن الرّبيع : أين قبر أبي النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؟ قلت : بالمدينة « 2 » في دار النّابغة ؛ فقال : يا غلام اكتب إلى أبي البختري فاسأله ؛ فقال أبو البختري : سبحان اللّه ! بمكة ، فقلت للفضل : لا تسأل عن هذا العلماء ، ابعث الساعة إلى ابن بشير ، وابن أشعث ، وابن فرّوخ ، وابن فم الحوت ، وابن دحيم المغنّين ، فسلهم فسئلوا ؛ فقالوا : بالمدينة في دار النابغة في بني مالك بن النّجار . حدّثنا العباس بن محمّد الدّوري ؛ قال : سمعت يحيى بن معين يقول : أبو البختري القاضي كذاب . حدّث عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، وعن ثور ، عن خالد بن معدان ، عن معاذ بن جبل « 3 » أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سئل عن الخبز والخمير يقرض الجيران فيردّون أكثر أو أقل ؛ قال : لا بأس بذلك ؛ قال عبّاس الدّوري : قلت ليحيى : رحم اللّه أبا البختري ؛ قال : رحم اللّه أبا البختري .
--> ( 1 ) الحصف : الإقصاء والإبعاد كالإحصاف ، وأحصف الفرس مر مرورا سريعا ، والمحصاف الفرس يثير الحصباء في عدوه ، ومعنى انحمص تضاءل . ( 2 ) كذلك قال السهيلي في شرح سيرة ابن هشام ؛ وأنه مات عند أخواله من بني النجار وقد ذهب ليمتار لأهله تمرا ، وقال المقريزي في إمتاع الأسماع : مات بالمدينة ، وقيل بالأبواء بين مكة والمدينة ، والأول هو المشهور . ( 3 ) وفي تاريخ الخطيب البغدادي : وعن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي ؛ قالوا : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلخ وللعماء في إقراض الخبز رأيان : رأي بالمنع ، وآخر بالجواز ؛ وحديث عائشة ذكره ابن قدامة الحنبلي في كتاب المغني وقال : ذكره أبو بكر في الشافي بإسنادي ، وفيه أيضا بإسناده ، عن معاذ بن جبل ؛ أنه سئل عن استقراض -