محمد متولي الشعراوي
10363
تفسير الشعراوي
وتكاثر من ذاته ، كما قال سبحانه : { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ الذاريات : 49 ] . والذين يصنعون الآن الورد الصناعي ، ويحاولون جاهدين مُضَاهاة الورد الطبيعي الذي خلقه ، فيضعون عليه رائحة الورد ليتوفر لها الشكل والرائحة ، ثم ترى الوردة الصناعية زاهية لا تذبُل ، لكن العظمة في الوردة الطبيعية أنها تذبل ؛ لأن ذُبولها يدلُّ على أن بها حياة . لذلك سمَّى اللهُ الإنسانَ خالقاً ، فأنصفه واحترم إيجاده للمعدوم ، لكنه سبحانه أحسنُ الخالقين ، ووَجْه الحُسْن أن الله تعالى خلق من لا شيء ، وأنت خلقتَ من موجود ، الله خلق خَلْقاً فيه حياة ونمو وتكاثر ، وأنت خلقتَ شيئاً جامداً على حالته الأولى ، ومع ذلك أنصفك ربك . ففي قوله تعالى : { أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير } [ آل عمران : 49 ] معلوم أنه في مقدور كل إنسان أنْ يُصوِّر من الطين طَيْراً ؟ ويُصمِّمه على شكله ، لكن أَيُقال له : إنه خلق بهذا التصوير طَيْراً ؟ وهل العظمة في تصويره على هيئة الطير ؟ العظمة في أنْ تبعثَ فيه الحياة ، وهذه لا تكون إلا من عند الله ؛ لذلك قال عيسى عليه السلام : { فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله } [ آل عمران : 49 ] . فإنْ سلَّمْنا أنهم يخلقون شيئاً فهم في ذات الوقت مخلوقون ، والأدْهَى من هذا أن الذي يتخذونه إلهاً لا يستطيع حتى أن يحمي نفسه أو يقيمها ، إنْ أطاحتْ به الريح ، وإنْ كُسِر ذراع الإله أخذوه لِيُرمموه ، الإله في يد العامل ليصلحه ! ! شيء عجيب وعقليات حمقاء . لذلك يقول تعالى عن آلهتهم : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب } [ الحج : 73 ] .