محمد متولي الشعراوي
10281
تفسير الشعراوي
أو نقول : إن التجارة لم تُلْههم عن ذِكْر الله في ذاتها ، فهُمْ حالَ تجارتهم لا يغفلون عن ذكر الله ، وقد كنا في الصِّغَر نسمع في الأسواق بين البائع والمشتري ، يقول أحدهما للآخر : وحدِّ الله ، صَلِّ على النبي ، مدَّح النبي ، بالصلاة على النبي ، كل هذه العبارات انقرضت الآن من الأسواق والتعاملات التجارية وحَلَّ محلَّها قيم وعبارات أخرى تعتمد على العَرْض والإعلان ، بل الغش والتدليس . ولم نَعُدْ نسمع هذه العبارات ، حتى إذا لم يتم البيع كنت تسمع البائع يقول : كسبنا الصلاة على النبي ، فهي في حَدِّ ذاتها مكسب حتى لو لم يتم البيع . { وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة } [ النور : 37 ] الصلاة لأنها تأخذ وقتاً من العمل ، وكثيراً ما ينشغل المرء بعمله وتجارته عن إقامة الصلاة ظاناً أنها ستُضيِّع عليه الوقت ، وتُفوِّت عليه مصالح كثيرة ، وكذلك ينظر إلى الزكاة على أنها تنقص من ماله ، وهذه نظرة خاطئة حمقاء ؛ لأن الفلاح الذي يُخرِج من مخزنه أردباً من القمح ليزرع به أرضه : الأحمق يقول : المخزن نقص أردباً ، أما العاقل فيثق أن هذا الأردب سيتضاعف عند الحصاد أضعافاً مضاعفة . أو : أن الله تعالى يفيض عليه من أنواره ، فيبارك له في وقته ، وينجز من الأعمال من الوقت المتبقي ما لا ينجزه تارك الصلاة ، أو : يرزقه بصفقة رابحة تأتيه في دقائق ، ومن حيث لا يحتسب ، والبركة كما قلنا قد تكون سَلْباً وقد تكون إيجاباً ، وهذه كلها أنوار وتجليات يفيض الله بها على الملتزم بمنهجه . ثم يقول سبحانه في صفات هؤلاء الرجال : { يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار } [ النور : 37 ] ذلك لأنهم يتجارون لهدف أسمى