محمد متولي الشعراوي
10282
تفسير الشعراوي
وأخلد ، فأهل الدنيا إنما يتاجرون لصيانة دنياهم ، أمّا هؤلاء فيتجارون مع الله تجارة لن تبور ، تجارة تصون الدنيا وتصون الآخرة . وإذا قِسْتَ زمن دنياك بزمن أُخْراك لوجدته هباء لا قيمةَ له ، كما أنه زمن مظنون لعمر مظنون ، لا تدري متى يفاجئك فيه الموت ، إمّا الآخرة فحياة يقينية باقية دائمة ، وفي الدنيا يفوتك النعيم مهما حَلاَ وطال ، أما الآخرة فنعيمها دائم لا ينقطع . إذن : فَهُمْ يعملون للآخرة { يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار } [ النور : 37 ] واليوم في ذاته لا يُخاف منه ، وإنما يُخَاف ما فيه ، كما يقول الطالب : خِفْت يوم الامتحان ، واليوم يوم عادي لا يخاف منه ، إنما يُخاف مما سيحدث في هذا اليوم ، فالمراد : يخافون عذاب هذا اليوم . ومعنى { تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار } [ النور : 37 ] يعني : رجفة القلب واضطراب حركته ، وما ينتابه من خفقان شديد ، ونحن نرى ما يصيب القلوب من ذلك لمجرد أحداث الدنيا ، فما بالك بهوْل الآخرة ، وما يحدث من اضطراب في القلب ؟ كذلك تضطرب الأبصار وتتقلَّب هنا وهناك ؛ لأنها حين ترى الفزع الذي يخيفها تتقلب ، تنظر هنا وتنظر هنا عَلَّها ترى ما يُطمئنها أو يُخفِّف عنها ما تجد ، لكن هيهات فلن ترى إلا فزعاً آخر أشدّ وأَنكى . لذلك ينتهي الموقف إلى : { خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ } [ القلم : 43 ] { قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ } [ النازعات : 89 ] يعني : ذليلة منكسرة حيث لا مفرَّ ولا مَنْجى ، ولن يجد في هذا اليوم راحة إلا مَنْ قدم له العمل الصالح كالتلميذ المجتهد الواثق من نفسه ومعلومات ،