محمد متولي الشعراوي

10358

تفسير الشعراوي

وكذلك فَرَق في مسألة الخَلْق من حيث مُقوِّمات حياتهم ، فبيَّن لهم الحلال والحرام ، وفي استبقاء النوع بيَّن لهم الحلال ، وشرع لهم الزواج ، ونهاهم عن الزنا ليحفظ سلالة الخليفة لله في الأرض . إذن : فَرق القرآن في كل شيء : في الإله ، وفي الرسول ، وفي قِوَام حياة المرسَل إليهم ، وما دام قد فَرقَ في كل هذه المسائل فلا يوجد لفظ أفضل من أن نُسمِّيه « الفرقان » . ولا شكَّ أن الألفاظ التي ينطق بها الحق تبارك وتعالى لها إشعاعات ، وفي طياتها معَانٍ يعلمها أهل النظر والبصيرة ممَّنْ فتح الله عليهم ، وما أشببها بفصوص الماس ! والذي جعل الماس ثميناً أن به في كل ذرة من ذراته تكسراتٍ إشعاعية ليست في شيء غيره ، فمن أيِّ ناحية نظرتَ إليه قابلك شعاع معكوس يعطي بريقاً ولمعاناً يتلألأ من كل نواحيه ، وكذلك ألفاظ القرآن الكريم . ومن معاني الفرقان التي قال بها بعض العلماء أنه نزل مُفَرَّقاً ، كما جاء في قوله تعالى : { وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ } [ الإسراء : 106 ] يعني : أنزلناه مُفرَّقاً لم ينزل مرة واحدة كالكتب السابقة عليه ، وللحق تبارك وتعالى حكمة في إنزال القرآن مُفرقاً ، حيث يعطي الفرصة لكل نَجْم ينزل من القرآن أنْ يستوعبه الناس ؛ لأنه يرتبط بحادثة معينة ، كذلك ليحدث التدرّج المطلوب في التشريعات . يقول تعالى : { وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } [ الإسراء : 106 ] . لقد كان المسلمون الأوائل في فترة نزول القرآن كثيري الأسئلة ، يستفسرون من رسول الله عن مسائل الدين ، كما قال تعالى :