محمد متولي الشعراوي

10879

تفسير الشعراوي

عجيب أمر فرعون ، فبعد أن أمر بقتل الأولاد من بني إسرائيل يأتيه في البحر تابوت به طفل رضيع ، فلا يخطر على باله أن أهله ألقوه في البحر لينجو من فرعون ، فكيف فاتتْه هذه المسألة وهو إله ؟ لم يعرفها بألوهيته ، ولا عرفها حتى بذكائه وفِطْنته . وإذا كان الكهنة أخبروه بأن ذهاب مُلْكه على يد وليد من هؤلاء الأولاد ، وإذا كانت هذه النبوءة صحيحة فلا بُدَّ أن الولد سينجو من القتل ويكبر ، ويقضي على مُلْك فرعون ، وما دام الأمر كذلك فسوف يقتل فرعون الأولاد غير الذي سيكون ذهاب مُلْكه على يديه . وتشاء إرادة الله أنْ يتربَّى موسى في قصر فرعون ، وأنْ تأتي إليه أمه السيدة الفقيرة لتعيش معه عيشة الترف والثراء ، ويصير موسى بقدرة الله قُرَّة عَيْن للملكة ، فانظر إلى هذا التغفيل ، تغفيل عقل وطمس على بصيرة فرعون الذي ادَّعى الألوهية . وبذلك نفهم قول الله تعالى : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ } [ الأنفال : 24 ] فقلبه يُغطِّي على بصيرته ويُعمِّيها . قوله تعالى لأم موسى : { أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم } [ القصص : 7 ] فمَنْ مِنَ النساء تقبل إنْ خافت على ولدها أنْ تُلقيه في اليم ؟ مَنْ ترضى أَنْ تُنجيه من موت مظنون إلى موت محقق ؟ وقد جعل الحق سبحانه عاطفة الأمومة تتلاشى أمام وارد الرحمن الذي أتاها ، والذي لا يؤثر فيه وارد الشيطان .