محمد متولي الشعراوي
10873
تفسير الشعراوي
وهنا في قصة موسى عليه السلام قال أيضاً : فرعون : أما في قصة يوسف عليه السلام فلم يأْتِ ذكْر للفراعنة ، إنما قال { الملك } [ يوسف : 43 ] وهذه من مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم ؛ لأن الحكم في مصر أيام يوسف كان لملوك الرعاة ، ولم يكُنْ للفراعنة ، حيث كانوا يحكمون مصر قبله وبعده لما استردوا مُلْكهم من ملوك الرُّعاة ؛ لذلك في عهد يوسف بالذات قال { الملك } [ يوسف : 50 ] فلم يكُنْ للفرعون وجود في عصر يوسف . فمعنى { سْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ } [ القصص : 4 ] يعني : تستبد طائفة الأقباط ، وهم سكان مصر الأصليون بطائفة بني إسرائيل لينتقموا منهم جزاءَ موالاتهم لأعدائهم . وأول دليل على بطلان ألوهية فرعون أن يجعل أمته شِيَعاً ، لأن المألوهين ينبغي أن يكونوا جميعاً عند الإله سواء ؛ لذلك يقول تعالى في الحديث عن موكب النبوات : { إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } [ الأنعام : 159 ] . ذلك لأن دين الله واحد ، وأوامره واحدة للجميع ، فلو كنتم مُتمسِّكين بالدين الحق لجعلتُم الناس جميعاً شيعة واحدة ، لا يكون لبعضهم سلطة زمنية على الآخرين ، فإذا رأيت في الأمة هذه التفرقة وهذا التحزُّب فاعلم أنهم جميعاً مدينون ؛ لأن الإسلام كما قُلْنا في صفائه كالماء الذي لا طعمَ له ، ولا لون ، ولا رائحة . وهذا الماء يحبه الجميع ولا بُدَّ لهم منه لاستبقاء حياتهم ، أما أن نُلوِّن هذا الماء بما نحب ، فأنت تحب البرتقال ، وأنا أحب المانجو . وهذا يحب الليمون . . إلخ إذن : تدخلتْ الأهواء ، وتفرَّق الدين الذي أراده الله مجتمعاً .