محمد متولي الشعراوي

10864

تفسير الشعراوي

وكأن الحق تبارك وتعالى يعطي لخَلْقه فرصة للمداراة وعُذْراً يستترون خلفه ، فلا ينساقون خلف غرورهم ، فحين تمنعهم من الحروب حُرْمة المكان في الحرم ، وحُرْمة الزمان في الأشهر الحرم لأن كل فعل لا بُدَّ له من زمان ومكان حين يمنعهم الشرع عن القتال فإن لأحدهم أن يقول : لم أمتنع عن ضعف . ولولا أن الله منعني لفعلْتُ وفعلْتُ ، ويستتر خلف ما شرَّع الله من منع القتال ، إلى أنْ يذوق حلاوة السلام فتلين نفسه ، وتتوق للمراجعة . ولحرمة مكة كان الرجل يلاقي فيها قاتل أبيه ، فلا يتعرَّض له احتراماً لحرمة البيت ، وقد اتسعتْ هذه الحرمة لتشمل أجناساً أخرى ، فلا يُعضد شجرها ، ولا يُصاد صَيْدها . ثم يقول تعالى : { وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ } [ النمل : 91 ] لأن الله تعالى حين يصطفي من الملائكة رسلاً ، ومن الناس رسلاً ، ويصطفي من الأرض أمكنة ، ومن الزمان ، يريد أن يشيع الاصطفاء في كل شيء . فالحق تبارك وتعالى لا يُحَابي أحداً ، فحين يرسل رسولاً يُبلِّغ رسالته للناس كافة ، فيعود نفعه على الجميع ، وكذلك في تحريم المكان أو الزمان يعود نفعه على الجميع ؛ لذلك عطف على { الذي حَرَّمَهَا } [ النمل : 91 ] فقال { كُلُّ شَيءٍ } [ النمل : 91 ] فالتحريم جُعل من أجل هؤلاء . ثم يقول سبحانه : { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } [ النمل : 91 ] أي : المنفذين لمنهج الله يعني : لا أعتقد عقائد أخبر بها ولا أُنفِّذها ، وقد قرن الله تعالى بين الإيمان والعمل الصالح ؛ لأن فائدة الإيمان أنْ