محمد متولي الشعراوي

10814

تفسير الشعراوي

وقال : { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } [ النحل : 8 ] . فأعطانا ربنا عَزَّ وَجَلَّ ضروريات الحياة ، وأعطانا كمالياتها وجمالياتها . وتأمل دقة الأسلوب في { أَمَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض } [ النمل : 60 ] فالضمير في { خَلَقَ } ضمير الغائب ( هو ) يعود على الله عَزَّ وَجَلَّ ، وكذلك في ( وَأَنزَلَ ) أما في ( فَأَنْبَتْنَا ) فقد عدل عن ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم ( نحن ) الدال على التعظيم ، فلماذا ؟ قالوا : لأن نِعَم الله فيها أشياء لا دخْل للإنسان فيها كالخَلْق وإنزال المطر ، ومثل هذه المسائل لا شبهةَ لا شتراك الإنسان فيها ، وهناك أشياء للإنسان دَخْلٌ فيها كالزرع والإنبات ، فهو الذي يحرث ويزرع ويسقي . . الخ مما يُوحِي بأن الإنسان هو الذي يُنبت النبات ، فأراد سبحانه أنْ يُزيل هذا التوهم ، فنسب الإنبات صراحة إليه عَزَّ وَجَلَّ ليزيل هذه الشبهة . وربك سبحانه وتعالى يحترم فعْلَك ، ويذكر لك سَعْيك ، فيقول : { أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون } [ الواقعة : 6364 ] نعم لك عمل وسعي في هذه المسألة ، لكنك استخدمتَ الأرض المخلوقة لله ، وآلة الحديد المخلوقة لله ، والبذور المخلوقة لله ، والماء المخلوق لله ، أما مسألة الإنبات نفسها فلا دَخْلَ لك بها ، فلا تَقُلْ زرعت ؛ لأننها نحن الزارعون حقيقة ، لكن قُلْ : حرثتُ وسقيتُ . لذلك تجد الرد في آخر الآية نافياً لأيِّ شبهة في أن لك دَخْلاً في مسألة الزرع : { لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً } [ الواقعة : 65 ] وأكّد الفعل بلام التوكيد لينفي هذه الشبهة . على خلاف الكلام عن الماء ، حيث لا شبهة لك فيه ، فيأتي نفس الفعل ، لكن بدون لام التوكيد : { أَفَرَأَيْتُمُ الماء الذي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ