محمد متولي الشعراوي
10802
تفسير الشعراوي
معنى { وَمَكَرُواْ مَكْراً } [ النمل : 50 ] أي : ما دبّروه لقتل نبي الله ورسوله إليهم { وَمَكَرْنَا مَكْراً } [ النمل : 50 ] وفَرْق بين مكر الله عَزَّ وَجَلَّ { والله خَيْرُ الماكرين } [ آل عمران : 54 ] وبين مكْر الكافرين { وَلاَ يَحِيقُ المكر السئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 43 ] . إذن : حين تمكر بخير ، فلا يُعَدُّ مكْراً ، إنما إبطال لمكْر العدو ، فلا يجوز لك أنْ تتركه يُدبِّر لك ويمكُر بك ، وأنت لا تتحرك ؛ لذلك قال تعالى { والله خَيْرُ الماكرين } [ الأنفال : 30 ] لأنهم يمكرون بشرٍّ ، ونحن نمكر لدفع هذا الشر لِنُصْرة رسولنا ، ونجاته من تدبيركم . والمكْر : مأخوذ من قولهم : شجرة ممكورة ، وهذا في الشجر رفيع السَّاق المتسلق حين تلتفُّ سيقانه وأغصانه ، بعضها على بعض ، فلا تستطيع أن تُميِّزها من بعضها ، فكُلٌّ منها ممكور في الآخر مستتر فيه ، وكذلك المكر أن تصنع شيئاً تداريه عن الخصم . وقوله تعالى : { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [ النمل : 50 ] أي : أنه مكْر محبوك ومحكم ، بحيث لا يدري به الممكور به ، وإلا لا يكون مَكْراً . وحين نتأمل : { وَلاَ يَحِيقُ المكر السئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 43 ] و { والله خَيْرُ الماكرين } [ آل عمران : 54 ] نعلم أن المكر لا يُمدح ولا يُذَمُّ لذاته ، إنما بالغاية من ورائه ، كما في قوله تعالى عن الظن : { يا أيها الذين آمَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن } [ الحجرات : 12 ] فالظن منه الخيِّر ومنه السئ .